أحتمًا سيأتون؟

أشخاص تذهب وآخرون سيأتون بديلًا عنهم.



في دائرة العلاقات التي نكتسبها بمحض الصدفة على مدار حياتنا، أو تلك التي تولد بمولدنا وتشاء الأقدار أن نتّجه إليها لأنها مصيرنا؛ لكن أيًا كان نوع العلاقة سواء قديمة أو حديثة، سواء كانت وليدة الصدفة أو مرتبة منذ زمن، فيبقى مفهوم العلاقة واحدًا بكل صفاته إلى أن يتم إضافة مكوّن آخر لها قد يُضفي عليها بعض السُمِّيّات إلى أن ينفرط عقدها وتنهار، بعض السُّمِّيّات مثل التعمّق في العلاقة لكن بطريقة مؤذية ومدمرة، لذلك فالحذر الحذر في العلاقات لأنها سلاح ذو حدّين، إما يأتي بثماره بأشخاص تستحقّ معرفتهم، أو يأتي بهلاك العلاقة تاركًا المرء وحيدًا -رغم عدم سوء كون المرء وحيدًا-.

في دائرة العلاقات في الحياة، هناك القديم وهناك الحديث، هناك ما قد فُرِض عليك منذ نعومة الأظافر، وهناك ما قد فرضته على نفسك بملء إرادتك، هناك ما قد هَيّئَتهُ لك الحياة في صدفة غير متوقعة، وهناك ما قد هيّئْتَهُ لنفسك بصدفة مرتّبة في حدث ما، وإلى أبد الدهر ستظل في دائرة العلاقات تلك يتوسع قطرها كلّما مرّت الأيام ومررت أنت معها؛ لكنّ الفارق هنا من سيدوم إلى جوارك، من ستبقيه أفعالك ومن ستُنَفّره، من ستحافظ عليه مهما حدث في داخلك وجوهرك من تغيير، ومن ستُزرَع داخله بذرة الرهبة من أي تغيير. أيًا كان نوع العلاقة ومتى كان تاريخ إنتاجها، فلا فرق؛ لأنّ طبيعة العلاقة بعد ذلك وكيفية خلق الطبيعة الخاصة بها هو ما قد يكون النقطة الفاصلة لأي علاقة ناجحة كانت أو سامة. الجميع دائمًا ما يقول “أشخاص تذهب وآخرون سيأتون بديلًا عنهم. من يذهب سآتي بغيره أفضل منه، من يرحل عني فليغرب عن وجهي فهو من اختار عدم جواري“، الجميع يقول ذلك وي كأنّهم ملائكة لا يخطئون بحق الآخر، ولا يكونون سبب السُميّات التي تُدَس في العلاقة، بل تتملّكهم غطرستهم ويغذّونها بكل طاقة ممكنة في سبيل الوافد الذي سوف يأتي ملبّيًا كل المتطلبات التي يريدها الطرف الأول لإنجاح العلاقة التي يريدها أو التي خيّلها له غروره. لا يعلم أنّ كتفه ستؤكل من شخص ما سيقوم بتركه، وأيضًا سيتركه عشمه في مجيء شخص وهمي يريده عبدًا له لا صديقًا مساندًا له في قرارات حياته، وهذا في الغالب لدى طبيعة كل شخص -إلا من رحم ربي- يريد التفوّق على الآخر ويريد التحكّم بكل دقيقة يحظى بها في صحبته. يريد أن تكون له الكلمة العليا؛ وتلك هي أكثر السُميّات فتكًا بأي علاقة مهما كان عضدها مشدودًا إلى أقصى درجة.

لماذا يمتلئ الأمل إلى آخر الكوب في تلك الحالة؟ لماذا من الأساس يكون هناك أمل لقادمٍ مجهول الهوية والمصدر متخيلًا أنّه وحتمًا يكون أفضل من الحالي الذي على وشك أن يصبح قديمًا وربما يصبح في مهب الريح؟ لماذا “حتمًا سيأتون؟” أحتمًا سيأتون؟ كل فترة من فترات الحياة نصدف أن نقابل من يكون مناسبًا للشخصية المُرادة، ويصدف أن يكون نقيضها بوجهين؛ أحدهما يكمل النقيض له، والآخر يحارب ذاك النقيض كعدوٍ لدود.

الرأي المتوافق عليه أنّ “حتمًا سيأتون”؛ ولكن لِمَ انتظار ما قد يخطر ببال أي شخص أنه المُنتظَر، في حين امتلاك الأيدي لكنز قد صاغته وقامت بحياكته كما أرادت؟ بل وقامت بحياكة نفسها ترتّبًا على ما في الصندوق، عبارة “خذ المبادرة وقم بالمخاطرة” أحيانًا وفي حالات معيّنة ومحدّدة تكون منطقيةً لكن لِمَ المخاطرة الآن بكل علاقة، أملاً في شراء جديدة؟ نعم شراء؛ لأنّ الثمن سيكون باهظًا وغير مستردّ بعد ذلك! لِمَ اليقين إلى تلك الدرجة أنّ الحالي أصبح عاديًا، والقادم سيصبح مناسبًا؟

كل ذلك الجهد والطاقة المبذولة في سبيل ذلك لا بد من توجيهها إلى طريق منطقيّ أكثر من كونه الصحيح، إلى طريق لا نهاية مسدودة له، على العكس سيكون مزهُوًا بروابط تُقوّيها تلك الطاقة إذا ما بُذِلت في مكانها الأفضل، عوضًا عن تغذية السمِّيّات لأجل وهمٍ أقرب إلى الواقع، ما إن تأتي اللحظة المناسبة حتى يتّضح على حقيقته ويكشف عن عباءته مفاجئًا إيّاك أنّ السور لا يُمكن هدمه، وأنّ الطريق أصبح مسدودًا ذهابًا وإيابًا. لا يمكنك العودة إلى ما قد تركته وراء ظهرك من علاقات، ولا يمكنك المُضي قدمًا من أجل إيجاد العلاقة التي لطالما حلمت بها، رغم كون الوقت كان سانحًا لإتاحة كل الظروف الممكنة مع القديم لمحاكاته كلّ جديد حتى يُصبح القديم هو الحاليّ والجديد.

كتابة/ مصطفي قاسم.