ليلة مع مريض نفسي

الغريب أنّه في الغالب عند النظر حولك تجد كلامهم يناقض الواقع حق المناقضة، بل الأسوأ سخريتهم



تنبيه من الكاتب: كل ما سيتم ذكره، لا يمتّ للواقع بِصِلة، وأي تشابه بينه وبين أي أحداث مرَرْتَ بها في الواقع هو من وحي خيالك.

في ركن من أركان السرير في ظلام الغرفة المعتم، يرقد ملتفًّا بال”بطانية” وكأنها عازل عن العالم، أو جحر يكشف فيه حقيقته؛ ولكن لا ينكشف إلا بكاؤه، والمزيد منه فالمزيد، هو لا يدري السبب، بل لا يعرف حتى كيف يمنعه أو يهدّئه، فقط بكاء وصيحات غضب مكتومة ومصحوبة بمزيد من البكاء، وكأنّها انفجار تراكمات زادت لدرجة تمنع تمييزها ومعرفتها من بعضها، بل وأيضًا لكمات في الجدار من الغضب، مصحوبة بلكمات ليدٍ في الأخرى أحيانًا، ويستمر الأمر بينما تبدأ دعوات سرية أن يتوفاه الله حالًا أو في أقرب وقت، وحينها من شدّة الأمر تبدأ اللامنطقية تبدو منطقية، فيبدو الانتحار مقنعًا، بل ويبدو حلًا لإسكات صراخ وأنين الحزن غير معلوم السبب بداخل عقل بطلنا، وتبدأ حالة ما بين الإنكار والموافقة على ما إذا كان مريضًا نفسيًا أم لا، والتي تنتهي دومًا بأن يعترف البطل قائلًا: “نعم أنا قد أكون كذلك؛ ولكن لا هدف ولا مفرّ؛ فكل الناس كذلك ولا يعترفون، فلمَ تعترف أنت؟”، ويستمر هكذا، فإما أن يهدأ أو ينام من كثرة البكاء والغضب، ليستيقظ بعدها وكأنّ شيئًا لم يكن، بل في حالة إنكار لما حدث بالأمس، ليبدأ يومًا جديدًا في محاولة للتعايش كإنسان عادي.
يستمر هذا في التراكم ليظهر في ليلة أخرى، هو لا يدري متى، قد تكون غدًا أو بعد شهر حتى، ولكنه دومًا على يقين شديد البؤس من أنّها للأسف تتكرّر وستتكرّر.

ما وصفته قد يبدو مألوفًا لكم، أنا متأكد من ذلك، فما وصفته هو جزء من الحالة المعتادة لتراكم الضغط والحزن النفسي كما وصفه بعضُ منْ مرّوا به، والذي يقود عاجلًا أم آجلًا لأذًى نفسيٍّ متكرّر لا محالة. المشكلة أنه من كثرة التراكم لا يقدر الشخص على تمييز المشكلة أو أصلها؛ لمحاولة حلّها، وطبعًا لأننا في مصر –مجتمع شرقي أصيل-، فنحن بالطبع نوصِم كلَّ من يذهب لطبيب نفسي بالمجنون، ولذلك ينتهي الأمر بمحاولة حلّك لمشكلتك والتي قد تقود أحيانًا لإنكارها أو التسبّب بتفاقمها. فمثلًا بطل قصتنا يعاني دومًا من الضغط والتناقضات الأسريّة، مطلوب منه دومًا أن يكون أفضل شخص، ولكن للأسف لا تتوافر له البيئة اللازمة لذلك، فينتهي به الأمر بأن يجلد ذاته بأنّه هو المقصّر وهو سبب كل ما هو به، بالرغم من أنّ في الغالب السبب شيء آخر، وحتى لو افترضنا أنّه هو السبب، بدلًا من البحث عن حل، فهو يستمر في البكاء على اللبن المسكوب. والأسوأ أنّ بطلنا يعاني من شيء آخر، فيجد أنّ الموهبة التي تخلّى عن تطويرها تطارده وسط حزنه الروتيني، وكأنّها أصبحت ذنبًا اقترفه، فمن حوله دومًا ينبهرون بها عند عرضها عليهم، ومع ذلك لا يشجعونه أبدًا؛ لأنّها كما يقولون “ملهاش مستقبل“، والغريب أنّه في الغالب عند النظر حولك تجد كلامهم يناقض الواقع حق المناقضة، بل الأسوأ سخريتهم حول أنّه سيغير مجال دراسته بها، وكأنّه من المحرّمات أن يجمع بين موهبة ودراسة، فينتهي ببطلنا الأمر بأن يخلع زِيّ الموهبة في دولاب الذكريات، ويواصل العيش كإنسان بُترت أحدُ أطرافه دون مرض أو سبب لبترها.

دعني أنصحك بضع نصائح سمعتها من بطلنا، بالرغم من أنّه قد يكون أسوأ من ينصح؛ لأنّه كما قرأتَ الآن يمرّ تمامًا بنفس مشكلتك، ونصائحه هي أن تصارح نفسك قدر المستطاع، ولا تنافق ذاتك، ولا تترك الصلاة والقرآن أبدًا؛ حتى لا تشعر أنّ ما أنت به بسبب تركك لهما، فتترك أصل المشكلة. وألّا تدع أكثر من ضغط أو حزن يتراكم عليك، فرّغه أولًا بأول؛ حتى لا تصل لمرحلة الانفجار، وإذا استطعت أن تزور طبيبًا نفسيا أو تحادث أي أحد يقربه أو ينوب بدوره أو بعض دوره، فلا تتردّد، وإن لم تقدر، فلا تيأس وواظب على مصارحة نفسك ومحادثتها أولًا بأول، وحتمًا ستُحلّ المشكلة.

وفي النهاية، أختم حديثي معك بنصيحة، الحياة سيئة جدًا؛ ولكن ثِق بأنّها ستكون أسوأ إن استسلمت لسوئها، فلا فائدة من العيش في استسلام؛ لأنّك ستشعر دومًا بندم أنّك كان بمقدورك فعل غيره ولكن لم تفعل؛ ولذلك حاربها وابذل قصارى جهدك، على الأقل ستشعر بارتياح أنّك فعلت ما لديك، وأنّك رغم كل شيء لم تستسلم، أو من يدري! قد تتحسّن الحياة معك حينها، لا أحد يعلم أبدًا ذلك إذا لم يحاول ويحارب في معركة الحياة.

بقلم/ يوسف حجاج.