موكب الملوك

ليلة فاخرة بامتياز، بل ملكية فرعونية يحسدنا الناس عليها.



وقف العالم أجمع اليوم وقفةً طويلة يغلب عليها الذهول في مشهد مهيب تقشعرّ له الأبدان وتهوى إليه الأفئدة. في قرابة الثامنة مساءً إلا القليل، أُطلقت إشارة البدء لواحدة من أعظم اللقطات في التاريخ المعاصر، وواحد من أضخم مواكب الملوك على مرّ الأزمان، إلّا أنّ ملوك الموكب هؤلاء كانوا على غير العادة حاضري الأجساد وحدها، هم ملوك “كيميت“، مصرنا القديمة.
مشهد بالغ العظمة وبليغ التأثير في ترسيخ هويّة أحفاد أقدم حضارة عرفتها البشرية. مشهدٌ غنّته أم كلثوم منذ ما يزيد عن النصف قرن فقالت: “وقف الخلق ينظرون جميعًا كيف أبني قواعد المجد وحدي، وبُناة الأهرام في سالف الدهر كفَوني الكلام عند التحدي”، تلك السطور المحفورة بقلوبنا، من أشعار عظيم شعراء مصر حافظ إبراهيم. واليوم صدّق مغناها وكلام حافظٍ رُفاتُ أجدادنا الملوك والملكات بموكبهم، والذي كان أقرب إلى مشهد البعث -بعد مئات القرون من الموت الطويل- الذي لطالما آمن به المصريّ القديم.
أولئك الذين سبقوا الناس إلى صنع حضارة تبقى ما شاء الله لها أن تبقى، حضارة تكشف عن نفسها وأسرارها الكثير يومًا بعد يوم، وتُبقي لنفسها ما تشاء أن تُخفيه عن العالم وعوام الأمم. كان موكبًا بالحق عظيمًا، يُسيَّر برُفات الملوك ولهم هيبتهم، أولئك الذين ملكوا الأرض عن أجنابها، ومهدّوا لآثارهم في كل بقعة وبقعة، أولئك الذين ذهبوا عن الأرض والآثار، وبقيت هي خيرُ شاهد وخير راوٍ عن بديع صنعهم. مشهدٌ يُوصف ب “مزيج العصور”؛ فأصحاب الجلالة من الملوك والملكات وعلى اختلاف فترات حكمهم قد جمعتهم مناسبة الحضور جميعًا بعد مئات القرون سويًا وسط أنظار كل الأرض، وسط احتفالات تليق بالملوك ووسط عمرانٍ غير ما خلّفوا، فهم أُناس آخرون التقوا في حكم بلدٍ عظيم وجمعهم زمن آخر غير زمنهم، فقُدّروا وحرصت كل أقطار الأرض على معرفة كل ما يُستطاع عنهم.

يوم أمس، في الثالث من إبريل لعام (2021)، انتقلت مومياوات حكّام مصر القدامى من موضعها الأول في “متحف القاهرة” إلى “المتحف القومي للحضارة” بالفسطاط لمسافة تقارب الخمسة كيلومترات، ليستمر المزج بين كل العصور التي شهدتها مصر بين فرعونية وإسلامية وغيرها. في احتفالية كبرى حضرها رموز مصر من الساسة ورُوّاد الفنّ ومتلقّي الدعوات من الأقطار الأخرى، كما حضرت المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي، وممثلون أُمميّون ليشهدوا بعض تغييرات ملحوظة في الجانب السياحي بمصر.
ضمّ الموكب رُفات (18) من ملوك مصر وأربع ملكات حُملوا على عربات ذات نقوش فرعونية مزيّنة خصّيصًا للمناسبة ومكتوب على كلّ واحد منها اسم صاحب أو صاحبة الجلالة منهم بالهيروغليفية القديمة. الملوك ال(18) هم: (سقنن رع، أحمس الأول، أمنحتب الأول، تحتمس الأول والثاني والرابع، سيتي الأول والثاني، رمسيس الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والتاسع، أمنحتب الثاني والثالث، والملك مرنبتاح). والملكات الأربع هن: (أحمس نفرتاري، الملكة تي، ميريت آمون، والملكة حتشبسوت).
نُقل البث المباشر للموكب العظيم على أكثر من (200) قناة تليفزيونية، ناهيك عن كمّ البثوث المباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

يُغالى بالمديح في تلك الليلة؛ لأنها أحد الأسباب لتوحيد الأنظار والصفوف بين فصائل البشر وبرهان دائم على الفروق الحضارية بين الأمم. كما أنّ تجهيزات الحفل كانت مُبهرةً وأخّاذةً ابتداءً من الأزياء ذات الطابع الفرعوني مرورًا بالأضواء التي ملأت طريق الموكب وصولًا لروعة الموسيقى التصويرية وعظمة الإخراج بمزيج تتمنّى لو يدوم لأطول وقت ممكن.
ليلة فاخرة بامتياز، بل ملكية فرعونية يحسدنا الناس عليها! إذ أنّنا جمعنا أربع حضارات بمصر في وقت واحد بدئًا من الفرعونية إلى القبطية فالعروبة والإسلام. نأخذ من كل الطباع والأفكار ونمزجها لنخرج في الأخير بناتج يكشف هويّتنا وعظيم ما تركه لنا الأجداد نفخر به وسط من لا حضارة لهم!

بقلم :صُهيب خضر.