“معضلة السعادة”

السعادة تكمن في الطريق، ولا تكتمل سعادة الوصول إلا به.



 

أما آن الأوان لك أن تعود لسعادتك التي مضت؟

على صوت قطرات المطر وهي تطرق على شباك غرفتي، راودتني نفسي بسؤال بخصوص أمر أعتقد أنه لطالما تكرر على كثيرٍ منا، ومفداه أننا دائمًا نرى ذاتنا القديمة، أو التي لم يمر عليها ما مر بنا بعد؛ فنشعر بالاشتياق لها ولِما كانت عليه من سعادة، ولكن دعنا ندرس الأمر، ونرى لأين سيأخذنا الحديث.

 

فقد تظن السبب أن نفسك القديمة التي لربما في رأيك كانت أكثر راحة، أو أقل في الهموم، كانت أقل علمًا مما أنت عليه الآن؛ ولكن هذا لا يعني أن زيادة علمك، ومعرفتك مع الوقت هو السبب في هذا التعب، حيث أن التلازم لا يعني بالضرورة السببية؛ ولكن تحضرني مقولة تفسر هذا وهي مقولة الكاتبة الأمريكية (إيرما لويز) والتي تقول “العشب دائمًا يبدو أكثر اخضرارًا على الجهة الأخرى“، فكل ما هو ليس معك مرغوب فيه، وكل ما هو معك قد صار عاديًا من التعود فلم يعد مرغوبًا، فلو رجعت بذاكرتك لأي وقت كان، لوجدت نفسك تتمنى بل وتحلم بأن يمر الوقت بك، فتصير فى زمن آخر ظنًا منك أنك ستكون أكثر سعادة.

 

 

ولربما ذلك بسبب المِحَن التي تمر عليك؛ ولكن لا تدعها تتملكك وتجعلك تتمنى ما ليس بيديك، فإن هذا مضيعةٌ للوقت، وتذكر دومًا الحكاية التي ألقاها (إبراهام لينكولن) في أحد خطاباته، والتي تقول أن أحد الملوك سأل وزيره أن ينقش على خاتمه مقولة يراها في حزنه فيفرح، وفي فرحته فيحزن، فنقش له عليه مقولةهذا الوقت سيمضي“، تأمل هذه المقولة، وتأمل ما أنت به حتى لا تنخدع فى خضم الفرح، أو الحزن؛ فتنسى أنه مهما طال فهو زائل لا محالة.

 

فأدعوك يا عزيزي أن ترضى بما لديك دون مانع في السعي لغيره، فإن السعادة كل السعادة تكمن فى الرضا، ولعل أكبر وصف قابلنى لهذه المعضلة هي حكاية جاءت في فيلم سينمائي أجنبي يدعى (روح)، حيث تقول الحكاية أن سمكة صغيرة قالت لأخرى كبيرة وهم في المحيط أنها تريد أن تذهب للمحيط، فأخبرتها الكبرى أنهم بالفعل به، فردت الصغرى في استنكار أن هذا مجرد ماء، وأن ما تريده هو المحيط، كذلك نحن يا عزيزي القارئ، فعلى الرغم من كوننا قد نكون في أسعد لحظات حياتنا، ولكننا نظل نبحث في تعب عن الأسعد؛ فنفسد بذلك متعة ما نحن به، فتذكر دومًا أن السعادة تكمن في الطريق، ولا تكتمل سعادة الوصول إلا به، فأنت لا تأكل ما تحب من الطعام منتظرًا سعادة آخر قطمة منه، وعشها بمنطق أقل الخسائر، وهو أنك إذا لم تستمتع بالطريق ولم تصل، فقد خسرت سعادة الطريق والوصول كليهما، ولكن لو حزت سعادة الطريق ولم تصل، فقد فزت على الأقل بشيء خلال الرحلة، وفي النهاية أدعوك أن ترضى بما تملك، مع الأخذ في الاعتبار السعي المستمر دون أن تنسى أن تستمتع في أثناء هذا كله بما تملكه بالفعل.

 

كتابة/ يوسف حجاج