صاحب الكل وحيد

الوحدة في عالم ليس هناك أسهل فيه من التواصل مع الأخرين



كعادتي، شربت فنجان القهوة وأنا أدري أنها لا تزيدني إلا انغماسًا في أفكاري وتساؤلاتي، وكأنها تُسكِتُ كل شيء عدا ضجيج العقل وصدى الكلمات. فلما لم أجد من أحادثه، وجدت قلمي خير من أحدّثه؛ فالأمر أنّ ما قرأته حتى الآن هو ما يؤرّقني، وأعتقد بل أكاد أجزم أنّه يؤرّق معظمنا، ألا إنها الوحدة في عالم ليس هناك أسهل فيه من التواصل مع الأخرين! ولكن ربما تلك هي المشكلة؛ فعندما صار التواصل بهذه السهولة، فقد قيمته وعمقه الإنساني. فأنت من سهولته، تعرف أكثر مَن تُحدّث بل وتُحدّث غير من تعرف؛ فأصبحت تعرف مثلًا من بجامعتك ومنطقتك كلهم وغيرهم. ولكن لم يعد هناك مجال لعمق الأحاديث في هذه المعرفة -والذي كان موجودًا قبل أساليب التواصل المستحدثة-؛ فأنا أذكر في صغري وقتًا كنت لا أعرف صاحبًا سوى اثنين في المدرسة. فمتى لا نجتمع ثلاثتنا، أشعر بجحيمٍ على أرض “الفسحة”. ولكن اليوم، صار أغلبُنا يعرف أغلبَنا، ومع ذلك ترى معظمنا يسير في الكلية مثلًا منبهرًا بمن يعرف أكثر منه، ومن يسلّم على الجميع ويسلّمون عليه! بل ويتمنى بعضنا أن يصير يومًا مثله في كثرة أصدقائه. ولكن دعني أصدمك بحقيقة قد لا يخبرك بها الكثير، وهي أنّ صاحب الكل وحيدٌ ؛ فمعظم من وصفت حين يعودون لمنازلهم، يجلسون في غرفهم كمجلسي هذا! لا يجدون من يحدّثهم ويحادثونه؛ بل إنّني قد أكون أكثر حظًا لأني أحدثك عزيزي القارئ؛ وذلك لأن كثرة المعارف والأصدقاء لا تعنى بالضرورة صدق هذه الصداقات ولا السعادة أيضًا. فمعظمهم قد لا يسألون عنك إذا غبت أو لَم تسأل أنت، ولا أعنى يا صديقي أن تقيّم هذه الصداقات بكثرة السؤال -إطلاقًا-؛ ولكن قيّمها بمدى تأثّرهم وتأثّرك بالغياب، وحدّد أصدقاءك على هذا الأساس. ولا أعنى أيضًا أن تنطوي على البعض منعزلًا عن الكل؛ ولكن أن تقسّمها دوائر أو درجات. فدائرةٌ للمقرّبين -الذين تُؤَثِّر فيهم ويتأثرون بك- ودائرة لمن تؤثر بهم فقط وهكذا دواليك.

ولا أجد أبلغ من لغة القرآن في تقسيم هذه الدرجات، والتي تجعل الفارق واضحًا كالشمس في أُوجّها، فعلى سبيل المثال لا الحصر هنالك القرين، وهو أعلى درجات الصداقة، ويليه الصفِيّ وهو الصديق المخلص ثم النجِيّ وهو حافظ أسرارك، وهكذا تِباعًا حتى التِرب وهو المثيل في السن.

وفي النهاية، أدعوك يا عزيزي ألّا تدع هذه الفترة من عمرك تضيع منك بلا صداقات جديدة! أو الأسوأ وهو أن تجعل مشاغل الحياة عذرًا لهدم ما لديك من صداقات وروابط قيّمة، ولا أجد أفضل مما قالته “أثيل باريمور” بهذا الشأن لأختم به ألا وهو:” إن أفضل وقت لتكوين الصداقات هو قبل أن تحتاج إليهم.”