تاني يا زكي!

يوم آخر ولكن لا يختلف عن سابقه فى شيء، نفس مدة النوم ونفس موعد الاستيقاظ، نفس الروتين، نفس الأنشطة، بل نفس ذات الأمس دون أيِ تغيير.



يوم آخر ولكن لا يختلف عن سابقه فى شيء، نفس مدة النوم ونفس موعد الاستيقاظ، نفس الروتين، نفس الأنشطة، بل نفس ذات الأمس دون أيِ تغيير، فأصبحت الأيام تمر دون شعورٍ بأي اختلاف.

في هدوء هذا المساء وصمت دجاه، تطرقت في التفكير في سؤالٍ نعاني منه؛ وهو لم الملل؟ في كل شيء نرغب به عند امتلاكه، وفي كل شيء يصبح روتينيًا، رغم أننا من قمنا باختياره، في المذاكرة مثلاً وبدأت أحاور نفسى؛ بحثًا عن إجابة ترضيني وترضي فضول السؤال.

فوجدت أنه ما هو إلا شعور من مشاعرٍ عدة تراود الإنسان من حين لآخر، ولكن لم لا نقدر على تجاوز هذا الشعور؟ إنّ أكثر ما نخطئ به عند التعامل مع أيٍ من المشاعر، هو محاولة تخطيها بل وكتمها فى أحيانٍ كثيرة، فالمشاعر ما هي إلا إرشادات أو إنذار لنا وما علينا إلا الإنصات لها بتمعن لعلاج أي مشكلة، فإذا ما اتبعنا أسباب أي شعورٍ سنجد مشكلة أو خللاً مسببًا له، وبمجرد حلها يزول ذلك الشعور،ففى حالتنا هذه الملل عند المذاكرة مثلاً أو النفور منها بشكلٍ عام قد يكون إشارة على ضبابية هدف المذاكرة أو ضبابية الطريق في عموم الحديث، وبالتالي بمجرد وضع هدفٍ واضح وصريح يزول السبب، فتزول معه المشكلة -أي الملل- بل ويستبدله الشغف، وقد يكون السبب أيضًا سوء طريقة المذاكرة أو قلة الراحة، فعليك أن تجرب عدة طرق حتى تصل إلى الأنسب مع مراعاة حق جسدك عليك فى الراحة دائمًا وأبدًا، وعليك دومًا ألا تأخذ أي نصيحة من أحد بحذافيرها، بل طبقها عليك كما تصلح لحالتك، فكل شخص حالة خاصة متفردة، فمثلًا المزارع الذى يسير وراء نصيحة غيره فى حصاد البستان الذى حصده بالفعل لن يجمع نفس ما جمعه أول حاصد،أو كما قيل فى الأثر أن من يسير فى الجمع لن يصل لأبعد مما وصل إليه الجمع، ولكن من يسير وحيدًا فسيصل إلى حيث لم يسبقه أحد.

ولا يعنى أن من ينصحك ولا يعمل بالنصيحة ألا تأخذها منه، فلربما يعرف الخير ولكنه لم يقدر بعد على سلك طريقه، أو ربما مازال يحارب نفسه من أجل تغيير اتجاهها لهذا الدرب.

ولكى لا تمل أيضًا غيِّر من أساليب وأماكن فعل نفس الشيء، بل غيِّر أيضًا ممن تشاركهم فعله، ولكن انتقهم بحذر، فصديقك في فعل أي شيء قادر على أن يجعلك تكمله أبد الدهر، وقادر على تثبيطك قبل أن تبدأ، فكما تقول مقولة أمى الدائمة “الصاحب ساحب”، وهى تلخيص لما ذكرت بخصوص هذا الشأن.

ولكي لا أتسبب لك فى نفس ذاك الشعور أثناء قراءتك لهذا الحديث، سأنهى الآن بأن أُذكّرك أن الملل لا مفر منه، ولكن كل ما ذكر هو تأخير له، فهو من سنة الحياة التى لا مغَيّر لها، فلو لم تمل من شيء لما جربت غيره أو بديله، ولو لم يمل الإنسان الأول من عيش الترحال لما لجأ للقرى والمدن ولما قامت حضارة اليوم كما نعرفها، وأيضًا أنصت لذاتك تنصت إليك واملكها تُمَلِّكُكَ كل ما تسعى إليه.

كتابة/ يوسف حجاج.