كيفية الوثوق في الناس مرة أخرى

يُعدّ الخوف من ضمان الثقة أمرًا شائعًا جدًا، بل إنه يُصنّف كرهابٍ رسميّ.



يعدّ الخوف من ضمان الثقة أمرًا شائعًا جدًا، بل إنه يُصنّف كرهابٍ رسميّ “البيستانثروفوبيا“، اسم كبير يليق بمشكلة بذات الكبر!

في الوقت الذي يُبقيك عدم الوثوق في الناس آمنًا من الأذى والخيانة فهو في نفس الوقت يُبقيك منعزلًا ومُريبًا! فكيف يحدث ذلك؟ وكيف يفقد المرء إيمانه بالإنسانية؟ بل وكيف يمكنه إيجاد ذاك الإيمان مجدّدًا؟

حسنًا، منذ عدّة عقود، افترض باحثون -يعملون على الذكاء الاصطناعي- أنّ الناس لديهم “سيناريو” خاص بتجاربهم السابقة. على سبيل المثال: في المطعم، يكون “السيناريو” على النحو التالي: “انظر في قائمة الطعام!”، “اطلب”، “كل طعامك”، “ادفع ثمنه” و”غادر”. هناك ترتيب محدد تعرف كيف من المفترض أن يَسري.

الكثير من الأشخاص كالأطفال مثلًا، يتعلّمون سيناريوهاتٍ عن الحياة والتي قد تكون كالآتي: “قد أوذيت أو يئست”، “أرتاح لشخص ما”، “أشعر بالتحسن”؛ لكنّ آخرين كُثُر لا يتعلّمون هذه السيناريوهات بل “قد أوذيت أو أُحبطت“، “شخص ما يلومني أو جُنّ جنونه بسببي“، “أنا أشعر بالسوء“، ” لا أحد يلاحظ، أنا وحدي“. هذه السيناريوهات جميعها تعمل كوصفة للشعور بعدم الثقة أو القدرة على الاقتراب من الناس.

يبدو الأمر معقولًا لو افترضنا أنّ الحصول على ما نريد من الناس يعد الاستثناء غير المتوقّع بدلًا من كونه قاعدةً موثوقة، وسيكون من الحمق لو وثقنا بأحد! سيكون الأمر كتهيئة أنفسنا على التأذّي مرارًا وتكرارًا.

الآن، وفي أوقات أخرى يكون السيناريو الذي تعلّمناه في طفولتنا صحيًّا؛ لكن بعد ذلك يهتزّ بزلزال من الصدمات! على سبيل المثال: خيانة حب حياتنا، أن ننخدع من الأشخاص الذين نثق بهم وتصبح حياتنا رخيصة بلا معنى! مرة أخرى، يبدو الأمر معقولًا إن تعرّضت لصدمة الخيانة فبالأحرى ستعيد كتابة السيناريو الخاص بك بسرعة كبيرة وعلى نحوٍ رائع.

 

على أي حال، قد تُركتَ مع نظام معتقديّ يضع إسفينًا بينك وبين بقية العالم! قد تكون المعتقدات عن نفسك مثل: “إذا وثقت بشخص ما، فسيراني على حقيقتي ويرفضني” أو قد تكون عن أشخاص آخرين مثل: “إذا وقعت في حب شخص ما، فسيتركني“، “إذا وثقت في شخص ما، سيخونني“. أنت حتى قد تؤمن بقوّة أنّ: “لا يمكنك أبدًا الوثوق في أي أحد، يمكنك الاعتماد فقط على نفسك“.

 

لن أكذب عليك، إن تغيير هذه المعتقدات أو إعادة بناء الثقة أمران في غاية الصعوبة. عندما تبدأ في إعادة الثقة في الإنسانية لأول مرة، قد تشعر أنها تمرين ذهنيّ. تعلم في قرارة نفسك -عقلك- أن الناس يمكن الوثوق بهم؛ لكنّك لا تشعر بهذا من أعماق قلبك. ولكي تقوم بنقلة من العقل للقلب، قد يتطلّب الأمر التحلّي بالإيمان.

الأمر أشبه بتمرين بناء أواصر روح الفريق! سقوط الثقة، عندما تحاول السقوط للخلف دون النظر وواثقًا أن زملاء الفريق سيلتقطونك، لكنك لا تضمن أن ينتهي بك الأمر مُلقًى على الأرض. يتطلّب الأمر تحليًّا بالإيمان للاتّكاء والسماح لنفسك بالذهاب والمتابعة!

 

كيف تهيّئ نفسك على التحلّي بالإيمان بالحياة الحقيقية؟ كيف تعيد القدرة على الوثوق مجدّدًا ومن أعماقك؟ حسنًا فلتبدأ بالسبع خطوات هؤلاء!

أولًا: ابقَ في مكان واحد.

إن التحرّك قي أرجاء البلاد أو حول العالم طريقة مقبولة اجتماعيًا لقطع العلاقات وعدم الاقتراب كثيرًا من أي شخص أبدًا؛ لكن إذا كنت ملتزمًا بإعادة بناء إحساسك بالثقة، فقم بالإرساء. سيشعرك هذا بالخطأ في البداية. ستشعر بالحاجة إلى تكيّف جغرافيّ، لكن حاول الاستقرار. بمجرد ترسيخك بعض الجذور، يمكنك التفرّع والتعرف على الأشخاص من حولك والثقة بهم.

 

ثانيًا: ثبّت لنفسك روتينًا.

 بمجرد أن تستقرّ في مكان واحد، انسجم مع الإيقاع. عاود نفس صف اليوجا، نفس الأشخاص في حديقة الكلاب، مجموعة منزلية من (12) خطوة. لماذا؟ هذا لا يجعلك في مأزق. إنه ضروري! أمر متأصل في الروتين، رؤيتك نفس الأشخاص. التكرار -رؤية نفس الوجوه مرارًا وتكرارًا- هو الخطوة التالية لبناء الثقة.

 

ثالثًا: قلّل العطاء، وشاهد علام تحصل!

بمجرد رؤية الوجوه نفسها، يأتي بعد ذلك اختبار “المياه” ومعرفة ما تحصل عليه. اكشف أمورًا عن نفسك -ليس من الضروري أن تكون عميقة أو مظلمة-، وانظر ما سيحدث. عادة، ستحصل على أنباء سارّة في المقابل. أو اطلب القليل وانظر ما ستحصل عليه. اجعل نفسك أكثر المراهقين عرضةً للخطر: اطلب معروفًا من أحد الجيران أو نصيحةً من الأصدقاء أو حتى مساعدةً من شخص غريب للوصول إلى علبة الطماطم على الرف العلوي في السوبر ماركت.  تُضيف حاجتك لأمرٍ ثم تحقيقه نقطة إلى دلو الثقة. قد لا يبدو الأمر بتلك الضخامة، ولكنك ستكتشف أن معظم الناس يعتنون جيدًا، وسيساعدونك عندما تحتاج إليها. يسمّي خبراء الصدمات هذا ب “إعادة الانخراط في الحياة المجتمعية“؛ لكن يمكنك تسميته بأخذ أول قفزة نحو الثقة مرة أخرى.

رابعًا: ضع خططًا للمستقبل!

لا تقوم المعاناة من الصدمة بزعزعة ثقتك في الناس فحسب، بل تقوم أيضًا بهزّ ثقتك في المستقبل. تلعب الصدمة خدعة على الدماغ؛ فهي تخلق اليأس -الشعور بأن مستقبلك سيكون بلا معنىً أو خالٍ من السعادة- والذي بدوره يُشعرك أنه لا يوجد مستقبل على الإطلاق. قد تفترض أنك ستموت صغيرًا، أو قد لا تتمكن من تخيّل عثورك على علاقة أو إيجاد وظيفة أو إنجاب أطفال! يسمّي خبراء الصدمات هذا الشعور ب “المستقبل القريب”.يُعدّ الأمر شائعًا وبشكل خاص عند ارتكاب الأحداث الفظيعة عمدًا من قِبَل أناس آخرين، مثل: “التنمر” أو “المطاردة” أو “الإساءة”.

بناءً على ذلك، بينما تبني ثقتك في الناس، حاول أيضًا بناء ثقتك في مستقبل هادف. ضع خططًا لأسابيع وشهور وسنوات وعقود من الآن. ادّخر للتقاعد. قم بعمل قائمة “دلو”. ضع هدفًا للعودة إلى المدرسة. تحرّك وفق خطوات نحو التخطيط للمستقبل، حتى لو لم تشعر أنه ليس على ما يرام بعد. لماذا؟ إنّ وضع السلوك قبل الشعور، هو السبيل لجعل الشعور يلحق به.

خامسًا: ضع ثقتك في حيوان!

في دراسة من مجلة “Journal of Research in Personality“، طلب الباحثون من (165) من أصحاب الحيوانات الأليفة إنشاء قائمة بأهدافهم في الحياة وتقييم مدى ثقتهم في تحقيق تلك الأهداف. اصطحب ثُلُث أصحاب الحيوانات الأليفة حيواناتهم الأليفة معهم أثناء المهمة، وطُلب من ثلث آخر كتابة وصف موجز لعلاقتهم مع حيواناتهم الأليفة من أجل استحضارها إلى أذهانهم قبل المهمة، والثلث الأخير قام بالمهمة أثناء كانت حيواناتهم الأليفة في غرفة أخرى.

 ووجدت الدراسة أن أصحاب الحيوانات الأليفة الذين اصطحبوا حيواناتهم الأليفة معهم أو استحضروا حيواناتهم الأليفة إلى أذهانهم قد حققوا أهدافًا أكثر في الحياة وكان لديهم ثقة أكبر في تحقيقها. استنتج الباحثون ما يعرفه الملايين من أصحاب الحيوانات الأليفة، يمكن للحيوان أن يوفّر ملاذًا آمنًا وقاعدة آمنة يمكن من خلالها التعامل مع العالم، الأمر الذي يبدو بشكل ما متوافقًا مع.. الثقة.

سادسًا: توقّف عن تلوين الأعلام الحمراء باللون الأخضر.ينوح كثير من الناس الذين يعانون مع الثقة أيضًا بسبب أن أصدقاءهم المفضلين أو شركاءهم قد تحطّموا -ينتهي بهم الأمر بمحاذاة أنفسهم مع الأشخاص الذين يخونون ثقتهم-، وتستمر الدورة. لكننا على طول الطريق، نتعلم رؤية العلامات الحمراء في الأصدقاء والشركاء المحتملين من الأشياء الصغيرة مثل: التركيز على الذات أو عدم القدرة على الاعتذار عن الأشياء الكبيرة مثل العنف أو الإساءة العاطفية. تكمن الحيلة في التوقف عن ترشيد أو السماح للأعلام الحمراء وبالتالي “تلوينها باللون الأخضر”.

 إنها رحلة طويلة، لكن أحد الاختبارات الحاسمة هو قلب الطاولات. ماذا ستقول لصديق كان يعاني من نفس السلوك؟ من السهل أن تكون موضوعيًا عندما لا يكون الأمر بخصوصك. لذلك، فإن اكتشاف المعايير المزدوجة -السلوك الذي لا ينبغي أن يقبله الصديق، ولكنك تستحقه بطريقة ما- هو علامة على الخروج من مذيب الطلاء.

سابعًا: قم بتنمية الاعتقاد بأنك تستحق أن تكون حول أشخاص جديرين بالثقة.

غالبًا ما تأتي عدم الثقة كصفقة شاملة. بالإضافة إلى تصديق الأشياء السيئة حول العالم مثل: “لا يمكن الوثوق بأحد“، “العالم مكان خطير“، فإنّه غالبًا ما يؤمن الأشخاص الذين يعانون مع الثقة بأشياء سيئة عن أنفسهم مثل: “أنا محطم“، “أنا أستحق الأشياء السيئة التي تحدث لي“. لذلك من أجل تنمية الثقة بالآخرين، قم بتنمية الاعتقاد بأنك تستحق تكريم ثقتك. تحدَّ الاعتقاد بأنك شخص سيء يستحق الخيانة أو الأذى. كيف؟ 

من الصعب حقًا تغيير رأيك بدون دليل أو خبرة، لذا غيّر سلوكك أولاً وسيتبعك عقلك. الأمر أشبه ب “زيّف الأمر حتى تفعله”، وهي تعمل ببطء. اسأل نفسك، “ماذا قد يفعل أي شخص يعتقد أنه شخص جيد؟“، “ماذا قد يفعل شخص يستحق الأشياء الجيدة في الحياة؟” ثم افعل أنت هذه الأشياء. وكما قلت من قبل، عندما ترى نفسك تفعل ذلك، ستبدأ في تصديق أنك تستطيع ذلك. 

 في الختام ، عندما تبدأ في وضع نفسك مع أشخاص جديرين بالثقة وترى نفسك تتصرف مثل شخص يثق في أن العالم في الغالب جيد، وأن الناس في الغالب جديرون بالثقة، ستبدأ في تصديق ذلك. وهذه قفزة إيمانية كبيرة في تعلم الثقة مرة أخرى.

ترجمة: صُهيب خضر.

العنوان الأصلي والمصدر:

How to Trust People Again. 7ways to rebuild your faith in humanity.

Posted Jan 12, 2021

Ellen Hendriksen.