خدعوك فقالوا

يكفيك أن تحيا حياةً مستقرةً هادئة، وأن يملأك الرّضا والقناعة بما لديك! حينها ستجد السعادة.



 

وسط حداثات العصر -جنون تقدّمه وازدهار علومه وشيوع رخائه- صدورٌ أنينها قتّال وآمالها قد أُقبرت. كم مرّت على كل واحد فينا ليالٍ لا تنتهي! الليالي ذات الضيق الدائم الكابس على خياشيم أنوفنا، فتخبو معها أنوارنا ونسأم من التماس آثار إضافاتنا.يغيب لها حضور أرواحنا وتخمد بسببها نيران شبابنا. ونكرّر ربما القول -في أحاديثنا- عن فقدان شغوفنا! فما تكون فلسفة فقدان الشغف هذه؟

لا نعلم من بدأ بطرح فكرة الشغف تلك، ولكننا نعتقد أن الأمر أشبه بمؤامرة كونية، فقد تجد الجميع من حولك يتحدث عن فكرة الشغف. هؤلاء يحثّونك على أن تتبع شغفك، أن تترك حياتك العادية جدًا، وأن تبحث عن حياة أخرى أكثر سعادةً. أصحاب التنمية البشرية الذين يتفوهون بالكلمات نفسها دومًا، مع نبرة صوت كأنها تصرخ بك كي تتبع شغفك.

وددت في بعض الأحيان لو أن ألتفت إليهم وأن أصرخ أنا بهم؛ في محاولة لفهم أين يختبيء ذلك الشغف الذي يسعى الجميع خلفه ولا يجدونه! هل هو شبح؟ هل يجب عليّ أن أطارده حتى أتمكن منه؟ هل أستطيع من الأساس أن أتمكن منه؟ أم أنني أركض خلف أو نحو سراب! لكنني أعلم أن الإجابة لن تكون مقنعة، سيرددون الكلام ذاته، أن الشغف هو أن تعمل في الوظيفة التي تحبها ليس التي فرضتها الحياة عليك، وأن تدرس في المجال الذي ترغب به حقًا! حتى إذا فعلت ذلك يمكنك حينها أن تجتهد في دراستك وعملك بلا توقف، وبالتأكيد لن تشعر بالملل لأنك اتّبعت شغفك، وفعلت ما تريد، إذن فقد حان الآن الوقت الذي يُفترض أن تكون به سعيدًا؛ لكنّك فجأة تكتشف أنك ما زلت نفس الشخص، وربما تكتشف أنك أصبحت أسوء من السابق.

تركض في محاولة يائسة لسباق الحياة، واللحاق بركبها، في محاولة لاتباع ذاك الشغف الذي أخبرك الجميع باتباعه. ولكن تكتشف في نهاية الأمر أن فكرة الشغف الذي يتحدثون عنها ما هي إلا وهم لا صلة له بالحقيقة، وأن فكرة الوصول إلى الكمال والسعادة اللامتناهية التي يمثّلونها لا وجود لها!

 

دعنا نتّفق أن “متفوّهي الكلام بالتنمية البشرية” هؤلاء هم أحد صور نِتاجات مواقع التواصل الاجتماعي! لا يستطيع عاقل نكران جبال الميزات التي تُضفيها منصّات التواصل على كل واحد فينا. لا داعي لتكرار الحديث المعتاد الدائم عن كيف يكسب الناس منها أو كيف نُبقى وُدّ العلاقات خلالها. أو حتى ننسى كيف ساهمت في عولمة كوكبنا وكل هذا! لكنّ ضوءًا خافتًا خلف الجبال تلك لا نراه جميعنا، عن سلبية لها، قد تسلب أُناسًا منّا تقدير ذواتها.

 

تسبّبت في كل هذا نظرية “شيوع الإنفلوينسرز“، كيف يحول الانتشار الصارخ لمدّعي المحتوى ووضع الأثر هؤلاء دون تقدير الناس أنفسهم! إنّ أمرًا أشبه بالأكيد يتعلّق بوثنية منصّات التواصل الاجتماعي، كيف نضع لأنفسنا أصنامًا من النماذج عن مثاليات الحياة. تدخل حيوات الناس لترى نشاطاتهم فيعمى عقلك عن بعض الأمور الجانبية ليبدأ سلسلةَ مقارنات سخيفة تنتهي بجلدٍ للذات وعمىً عن كل إنجازاتك الخفية! قرأٔتمرةًلا يجب مقارنة فصلك الأول بالفصل العاشر من حكاية شخصٍ آخروهو أمر غالب المنطق؛ لا أحد يدري خبايا حكايات الآخرين. 

 

لكننا في الوقت نفسه، وضعنا لأنفسنا -من المجتمع المحيط- بعض النماذج التي في تحقيقها انتصارٌ وفي فقدانها ذراع الفشل. أكاد أجزم أن غالب الشباب يعتقد أن مع بوابات السفر نجاحات ومع امتلاك السيارات نجاحات وأن افتقار الشخص لأشياء كتلك هو قمة جبل الفشل!

 

أمرٌ آخر صدّرته لنا أصنام أفكارنا هذه كضرورة امتلاك الشخص منّا ميزة عن الجميع؛ الأمر الذي استحدث شيوعًا في ابتكار طرقٍ للتميّز لم تكن في أغلب الوقت محمودة الأثر. بل صار الكثير يسنّ أفعالا غير مقبولة بحجّة التميّز حتى انتهى بالأخير استنتاج أنّ شيوع المميز يجعل الأمور العادية مميزة

 

إن حياة “الإنفلوينسر” التي نراها، إنما هي ما يريدونك أن تراه، أما الحقيقة فإنها ستظل دائمًا مخفية وراء تلك الصور والفيديوهات. وأنه دائمًا هناك الكواليس التي لا يتطلع إليها أحد، وأنك على حالتك تلك التي لا ترضيك، ربما تكون أفضل حالًا من الكثير. ربما تسعى لامتلاك بيتٍ واسعٍ وسيارة فارهة، ولكنك لم تلتفت مرةً إلى فكرة البيت الصغير والدفء النابع منه. ربما تريد امتلاك الكثير من الأموال، ولكنك بالفعل تمتلك ما هو أثمن من ذلك، تمتلك صحتك وعافيتك التي لا تُعوضها الأموال الطائلة! ربما تريد أن تحقق حلمك، لا تلتف إلا لذلك! 

لا تدرك أنك بذلك تفوتك فرصة الحياة، والاستمتاع بكل ما فيها، وأن فكرة الشغف ومتعة الوصول تكمن في اللحظة فقط، ثم بعد أن تعتاد الشيء نفسه ربما تشعر بالملل الذي يملؤك بالإحباط؛ فتجد نفسك محبطًا لأنك لم تصل للنتيجة التي رسمتها في خيالك، وبالغت في رفع سقف طموحاتك وتوقعاتك؛ حتى شعرت حينها بأن السقف قد انزلق على عاتقيك، وتشعر بالهزيمة، أو خيبة الأمل.

عزيزي القارئ،لا تصدقهم! لا تبحث عن حياة أخرى لك! لا تلتفت لهؤلاء الذين يتفوّهون دائما بكلمات التنمية البشرية المكررة. ولا تغرّنك حياة “الإنفلوينسرز” من حولك. لا ينبغي عليك أن تركض في كل الاتجاهات، وأن تطارد شبح الشغف، وأن تبحث عن السعادة في كل ركن من أركان الحياة.

يكفيك أن تحيا حياةً مستقرةً هادئة، وأن يملؤك الرضى والقناعة بما لديك! حينها ستجد السعادة، ستجد شغفك حين تتّجه للاستمتاع بالقليل المتاح، وأنّك لا يجب أن تكون نسخةً مكررةً من الآخرين، عليك فقط أن تكون نفسك، وأن تحيا حياتك. وتذكّر أن تعلم أنّ لكلٍ منا حكايته الخاصة، وأن لكل حكاية تفاصيلها التي تجعل منها أسطورةً تُحكى. وتأكّد أنك لن تجد من حكايتك نسخة مكررة، لذا فأنت مميز! فلا تسعَ لأن تحاكي حكاية أحدهم! واشفق أخيرًا على نفسك واعلم أنك مميز جدًا بحكايتك، فلا تسعَ لتغييرها، ولا تلتفت للعالم من حولك، وافخر دائمًا بعاديّتك المميزة جدًا.