إلام يسعى تجديد الطب بمصر

يُعد الاهتمام بالصحة من متطلبات الحياة الأساسية التي لا غنى عنها.



يُعد الاهتمام بالصحة من متطلبات الحياة الأساسية التي لا غنى عنها؛ ولذلك فإن تأهيل الكوادر الطبية الناجحة هو أمر يستدعي أن ندقق بشدة في دراسة الطب بجامعاتنا، وأن نسلط الضوء على كل الجوانب التي تؤثر مباشرةً على تلك الدراسة بشكل خاص، وللحديث عن تطوير التعليم الطبي.

 

فمنذ عام (1911) لم يتم تطوير التعليم الطبي في مصر حتى العام الدراسي (2018 / 2019) الذي تم فيه اعتماد النظام الجديد لدراسة الطب في الجامعات المصرية، وبذلك أصبحت كليات الطب تشمل دفعات مُقيدة ومازالت تتبع النظام القديم؛ وذلك لأنها بدأت الدراسة في الكلية قبل اعتماد النظام الجديد، أما الدفعات التي بدأت دراستها باعتماد النظام الجديد أو بعد اعتماده أصبحت تتبع النظام الجديد والذي يختلف كثيرًا عن سابقه؛ فالنظام القديم مدة الدراسة الفعلية تشمل ست سنوات دراسية تُقسم على أكثر من مرحلة، ولكل مرحلة موادها الدراسية وتخصصاتها المختلفة، وإن كانت تختلف ترتيب بعض المواد ببعض الكليات عن بعضها البعض ولكنه تغير طفيفٌ جدًا، ولكنها تتفق في فصل بين مراحل الدراسة النظرية والدراسة العملية.

 

أما النظام الجديد يعتمد على الدمج بين المقررات العملية والنظرية، بحيث يمكن الطلاب من دخول المستشفيات منذ السنة الدراسية الأولى، على عكس الطلاب -وفق النظام القديم- فهم يدرسون مواد علمية بشكل نظري كالتشريح وظائف الأعضاء على مدى ثلاث سنوات؛ ليُسمح لهم بعدها ببدء التطبيق العملي في المستشفيات، كما يحتاج الطلاب لتمضية عام كامل في التدريب العملي قبل نيل الشهادة، في حين أن النظام الجديد يتطلب عامين من التدريب الميداني، وبالتالي تطلب تطبيق النظام الجديد تغييرًا في المناهج بين دمج لبعض المواد وحذف لأخرى تتضمن تكرارًا لمعلومات ترد في مقررات أخرى.

 

وكان رأي أساتذة الطب حول ذلك أنه لا يمثل تقليص عدد سنوات الدراسة مشكلة كبيرة لأن جوهر التعليم الطبي في العالم كله يعتمد على اكساب الطالب مهارات في التشخيص والعلاج من خلال مقررات وساعات محددة، ولكن العائق الواضح الذي جعل تطبيق النظام أمرًا صعبًا هو كبر عدد الطلاب الملتحقين بكليات الطب سنويًا، مما يجعل التدريب العملي الفعلي أمرًا شبه مستحيلًا.

 

وتباينت الآراء حول ذلك النظام، فبعض الطلاب أشادوا بصعوبة النظام موضحين أن السنة تشمل أربعة موديولات ب(8) مواد، ومدة كل مديول عدة أسابيع؛ مما يشكل صعوبة للطلاب في القدرة على الإلمام التام بالمواد الدراسية وإتقانها واستعدادهم للفاينل، كما أن بعض الجامعات ما زالت لم تعتد النظام الجديد وتشرح للطلاب في السنوات الدراسية الأولى بنفس طريقة النظام القديم، والتي يصعب على الطلبة فهمها لعدم وجود معلومات أساسية لديهم كما الحال في طلبة النظام القديم، ومع ذلك يرى بعض الطلاب أن بهذا النظام العديد من الإيجابيات فبعضهم يرى أن ربط الدراسة النظرية بالعملية هو أمر ناجح بشكل كبير ويساعدهم في دراستهم، فمثلًا يستطيع الطلاب الربط بين مادة “الباثولوجي” علم دراسة الأمراض ومادة “الفارماكولوجي” علم دراسة الأدوية منذ السنة الدراسية الأولى، وأما بالنسبة لأستاذة الطب فمعظمهم تقريبًا أشادوا بفعالية هذا النظام ومدي إيجابيته بدايةً بربط الدراسة الإكلينيكية منذ السنة الأولى، وتجنب التكرار في بعض المواد، وزيادة كفاءة الأطباء، وإصلاح التعليم الطبي، وردًا على شكاوي الطلاب فمثلًا تحدث الدكتور/ السعيد عبد الهاديأستاذ النساء والتوليد والعميد السابق لكلية الطب بجامعة المنصورة– أن ما يتردد بشأن الضغط الذي يعاني منه الطلاب في ظل النظام الجديد هو غير صحيح. وأرجع ذلك إلى أن الكميات أقل بكثير من الكميات التي يتم دراستها خلال النظام القديم، وأن خوف الطلبة هو مجرد خوف من السنة الأولى الجامعية الذي يقابل كل الطلبة في كل الكليات.

 

أما بالنسبة للتعديل بعد سنوات الدراسة، جاء الإعلان عن نظام التكليف الجديد للأطباء أواخر شهر أكتوبر؛ حيث أعلنت الدكتورة/ هالة زايدوزيرة الصحة– إطلاق ما وصفته حينها بـ”استراتيجية للنهوض بمنظومة التعليم الطبي المهني في مصر“. وقالت حينها إن هذه المنظومة تستهدف النهوض بالمنظومة الصحية بداية من مقدمي الخدمة الطبية وخلق فرص لتطوير وتحسين بيئة العمل، بما يضمن حصول المريض على أفضل مستوى من الخدمة طبقًا للمعايير الدولية ووفق النظام الجديد، فإنه عقب قضاء الطبيب فترة الامتياز سيتقدم لحركة الزمالة عن طريق الموقع الإلكتروني التابع للوزارة، ويكون الاختيار للمحافظة والتخصص، ويتم التنسيق بين المتقدمين طبقًا للمجموع الاعتباري والرغبات والاحتياجات والأماكن التدريبية المتاحة بالزمالة، كما سيتم إلحاق جميع الأطباء البشريين الخريجين بالزمالة المصرية تحت مسمى “طبيب مكلف متدرب بالزمالة المصرية” من اليوم الأول للتسجيل بالزمالة واستلام العمل بالمستشفى، ومن المقرر وفق هذا النظام أن يتم ترشيح الأطباء للتدريب بالزمالة المصرية في أحد المستشفيات المعتمدة للتدريب في محافظة تدريبة، وفي حال عدم توافر مكان للتدريب داخل المحافظة التابع لها، يتم تدريبه في أقرب المحافظات إليه لحين توافر مكان للتدريب في المديرية التابع لها؛ حيث يقضي الطبيب (9) أشهر بالمستشفى المقرر تدريبه بها و(3) أشهر بإحدى وحدات الرعاية الأساسية سنويًا بالنسبة لكافة التخصصات باستثناء تخصص “الأسرة“، فالطبيب المتخصص في طب الأسرة يقضي (3) أشهر في قسم الطوارئ بالمستشفى و(9) شهور في الوحدة. وفيما بعض التخصصات الأخرى ومنها: (التخدير، والرعاية المركزة، والطوارئ) يقضي الطبيب كامل مدة تدريبه داخل المستشفى المقرر بها تدريبه ضمن برنامج الزمالة المصرية، وبحسب هذا النظام، فإن الأطباء المكلفين على المحافظات النائية سيحصلون على كافة المميزات المقررة لهم، إذ سيكون لهم الحق بعد عام واحد عمل فعلي في تعديل التكليف ومكان التدريب على هيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية أو أمانة المراكز الطبية المتخصصة، وتم تطبيق هذا النظام لأول مرة على الأطباء البشريين من دفعة الدور الثاني من عام (2019) وعددهم (832) طبيبًا. الفارق بين النظامين أن النظام القديم المتعارف عليه للتكليف منذ سنوات طويلة، كان يتم بموجبه تكليف الأطباء الجدد للعمل بالوحدات الصحية كطبيب عام لمدة سنة، ثم بعد ذلك يتم إلحاقهم بوظائف أطباء مقيمين للتدريب بالمستشفيات على التخصصات المختلفة (جراحة، وباطنة، وأطفال، ونساء)، ثم يتقدم الأطباء المقيمين للدراسات العليا (زمالة، وماجستير، ودبلومة) عقب ذلك.

 

ولكن قوبل هذا النظام باعتراض تام من الأطباء؛ حيث أنه لم توافق نقابة الأطباء على هذا النظام منذ الإعلان عنه، إذ وصفته في أوقات سابقة بـ”الغامض“، وعلق ممثلو أطباء التكليف لهذه الدفعة بأن هذا النظام به عيوب كثيرة تهدد مستقبلهم المهني، كما أنه أُثبت فشله عند تطبيقه على (800) طبيب؛ مما يؤكد مخاوفهم وشكوكهم تجاه هذا النظام عند تطبيقه على آلاف من الأطباء الشباب. وكان رأي أمين عام نقابة الأطباء أن مشاكل النظام الجديد للتكليف تتمثل في (عدم الجاهزية بالمستشفيات التي تنطبق عليها معايير التدريب، وكذلك بأعداد المدربين الكافي لتدريب جميع الخريجين بجميع التخصصات، بما يخل ببرامج التدريب المطلوبة، ومشكلة تتعلق بإخلاء الطرف واستلام العمل عدة مرات بين المستشفيات والوحدات الصحية؛ بما يضيع الوقت المهم ويخل باستمرار البرنامج التدريبي للزمالة دون توقف، فضلًا عن أزمة عدم إتاحة فرصة الالتحاق للتدريب بالزمالة للدفعات التي تخرجت خلال السنوات القليلة السابقة؛ نظرًا للاحتياج لتدريب كامل الدفعات الجديدة مع عدم وجود طاقة استيعابية لتدريب الجميع، وأيضًا مشكلة عامة تتمثل في زيادة عدد الأطباء ببعض التخصصات مقابل عجز بالأعداد بتخصصات أخرى؛ بسبب عدم وجود تخطيط صحيح خلال عقود سابقة وعدم وضع محفزات تزيد من إقبال الأطباء على التخصصات النادرة). وفي هذا الإطار عبر أيضًا ممثل أطباء تكليف دفعة مارس (2020) عن رفضه للنظام وأن هذا النظام تسبب في وجود عجز شديد في الوحدات الصحية؛ إذ تقوم الدفعات السابقة بالإخلاء من هذه الوحدات دون تكليف أطباء جدد عليها، لافتًا إلى وجود مستندات من المديريات الصحية يثبت العجز في هذه الوحدات، وأيضًا عدم جاهزية المستشفيات والمدربين بالزمالة، وعدم وجود تدريب حقيقي لأن الزمالة كانت تقبل ألفي طبيب وحاليًا تقبل (8) آلاف طبيب بنفس العدد والمكان للتدريب وهذا يضر بأهم شهادة، بالإضافة لانقطاع فترة التدريب بالزمالة المصرية وهذا يضر بجودة التدريب.

كما أن النظام الجديد يضيق على الأطباء في اختيار التخصص وعلى مسار معين للزمالة المصرية، وعدم فتح فرصة ترشيح للماجستير والدبلومة، ومنافسة الأطباء المعارين من الجامعة والأماكن الخارجية مع أطباء وزارة الصحة ويضيع عليهم أماكن حقيقية مميزة.

 

وبالرغم من كل تلك الصعوبات التي يواجهها طلبة كليات الطب على مستوى جميع الجامعات، كان لطلاب كلية الطب بجامعة المنوفية اعتراضات تخص جامعتهم، فقد نشر العديد من الطلاب “posts” على “الفيس بوك” ونالت الكثير من التأييد يوضح فيه الطالب كيف أن طالب كلية الطب جامعة المنوفية أشد معاناةً من ذويه في الجامعات الأخرى؛ فقد تحدث الطلاب عن مشكلة تقابلهم بالذات أثناء التعيين، وقال أحد الطلاب أنه حينما تخرج من كلية الطب جامعة المنوفية كان الطالب الأول على مستوى الكلية رقم (75) على مستوى جميع الجامعات المصرية، وأن الحاصلين على تقديرات مرتفعة في جامعة المنوفية عددهم أقل بكثير جدًا من باقي كليات مصر، وحينما تم فتح باب التقديم على نيابات جامعة كفر الشيخ، وتقدم كل طلاب كليات مصر للطلب، تم اختيار النيابات (750) طبيب تقريبًا وفق الأعلى في التقديرات، وكان أقل تقدير في (750) طبيب هو (89%)، وبالرغم من أن خريجي جامعة المنوفية تقدم عدد كبير منهم وحاصلين على تقديرات عالية جدًا، لم يتم اختيار أي خريج من جامعة المنوفية ورُفضت كل طلباتهم بالرغم من أن تقديرهم العالي يؤهلهم لنيابة جامعة المنوفية. ويجد الطلاب أن السبب وراء ذلك هو صعوبة الامتحانات التي تجبرهم على الحصول على تقديرات تضع جامعة المنوفية أقل من باقي جامعات مصر،

وما سبب ضيق للعديد من الطلاب في العام الحالي هو أن تم حصر عدد الطلاب لنيابة الجامعة ل(30) طبيب فقط وفي تخصصات محددة مثل: (الطوارئ، والعناية، والتخدير)؛ مما سبب إحباط لدى كثير من الطلاب لشعورهم بالعجز وعدم قدرتهم على الوصول للتخصص الذي طالما رغبوا فيه.

 

وقد تحدث عددًا من طلاب الفرقة السادسة خلال الفترة الماضية عن الصعوبات التي واجهوها؛ نتيجة تأجيل امتحاناتهم أكثر من مرة خلال فترة الكورونا، فكانوا كلما حددوا يوما للانتهاء من صراع الامتحانات يصدر قرارًا جديدًا يجعل كل طموحاتهم عبثًا، فيبدأوا في وضع موعد أبعد، وكانوا في تقبل تام للأمر، إلى أن صرح وزير التعليم العالي بأن الامتحانات ستؤجل مرة أخرى رغم أن هذه المرة كان قد تبقى حوالي الأسبوعين على نهاية فترة امتحاناتهم؛ فثاروا واعترضوا، ولكن قوبلت مطالبهم بالرفض، ثم أعطوهم أملاً بأن مطالبهم تدرس، ثم صُدر القرار أخيرًا بأن يبقى الوضع كما هو، فاستجابوا للأمر فمنهم من قد سافر ليبقى بجانب أهله بفترة الكورونا، ومنهم من أجرى عملية جراحية عاجلة، حتى صُدر قرارًا بأن امتحاناتهم تم قبول التماس الكلية وأنها ستتم في خلال فترة أقل من أسبوعين؛ مما سبب حالة كبيرة من الارتباك حينها، ليس لأن الامتحانات تم تقديم مواعيدها وحسب، ولكن من المعروف أن اللائحة تنص على عدم وضع جدول مفاجئ للامتحانات إلا بوضع فاصل على الأقل أسبوعين بين موعد أول يوم امتحان، كان هذا الأمر الذي لم يستطع الطلاب الرضوخ له،

فاعترضوا وعبروا عن ذلك بالكثير من الهاشتاجات عبر تويتر وفيس بوك،

إلى أن وصل الأمر إلى الكثير من القنوات التليفزيونية المشهورة، وتحدث عددًا من الشخصيات البارزة عن هذا ك”وائل غنيم” الذي صرح بضرورة تطبيق اللائحة، وتعاطف الطلبة من جميع الكليات والجامعات مع طلبة طب المنوفية حتى وصل الأمر إلى أن هذا الخبر أصبح من الترندات الأولى على تويتر، ووُجب أن نلفت النظر إلى أمر جعل طلبة الطب يشعرون بخيبة الأمل والإحباط؛ فخلال فترة الكورونا حدث عجز شديد في عدد الأطباء مقارنةً بعدد المرضى، بالإضافة لفقر الإمكانيات وقلة عدد الأسرة وأنابيب الأكسجين، فقد حاول الأطباء إنقاذ المرضى بكل ما يملكون من جهد وكرسوا أنفسهم ليلاً ونهارًا حتى يعبروا من هذا الوباء، فارتدوا ملابسهم الواقية، ومنهم من كان يقيم أكثر من شهر في مستشفيات العزل بعيدًا عن عائلته، فيصعب عليه أن يستريح وهو يرى هذا الكم الهائل من المرضى والوفيات، وبدلاً من أن يُقابل بالشكر الذي لا يطلب أكثر منه، فقد قوبل بتحميله كل المسئولية في وفاة المرضى. بالرغم أن عدد الوفيات كان طبيعيًا مقارنةً بقوة الوباء حينها، ومقارنةً بعدد الوفيات في أي دولة أخرى.

ولكن في هذا الأمر تحديدًا لا يمكن أن ننكر حينها أن الشعب المصري بأكمله قد شعر بمدى الظلم الذي وقع على الأطباء، فتسابقوا في كتابة خطابات الشكر، وعلقوا لافتات شكر للأطباء في معظم الشوارع، حتى أن العاملين في المجال الفني تسابقوا بتأليف الأغاني ووضع الإعلانات التي تذكر الناس بدور الأطباء العظيم في تخطي أزمة كورونا.

 

ولكن بالنهاية تم الانتهاء من امتحانات الفرقة السادسة واحتفل الطلاب بطريقتهم الخاصة، كما تحتفل كل دفعة بكل سنة بطريقة تميزها، فيقوم الطلاب بتأليف أغنية لتصبح أغنية لتخرج الدفعة ويغنيها بعض الطلاب، ويقوم بتوحيد “فوتوسيشن” لكل طلاب الدفعة، وأيضًا يتجمع الطلاب للاحتفال في يوم كامل “Funday” وكانت تسود الأجواء في هذا اليوم فرحة كبيرة وسعادة من الطلاب وأهاليهم وتجمع كبير للاحتفال بتلك الأحداث العظيمة، لتخرجهم بعد أطول سنين دراسية عاشوها.

 

 

  • -تحقيق/  آلاء مرضي، نهال الشربيني.