عزت العلايلي

أرسل رسالة وداع رقيقة للجمهور وكأنّه كان يشعُر بأن الموت سيدقّ بابه.



نعى العالم أجمع اليوم وفاة أحد عمالقة الفن المصري -سينما ومسرح وتليفزيون-، وأحد فرسان الفنّ في الوطن العربي، قيمةٌ فنية كبيرة، ظل في إبداع متوصل لأكثر من (58) عامًا؛ لعشقه الأبدي للفن كما كان يردّد دائمًا.
منذ أقل من شهر، ظهر في أحد البرامج التليفزيونية، وخلال المقابلة صرّح بحنينه الشديد لزوجته الراحلة وقال عنها نصًا: “أي نجاح حققه في حياته يرجع لها هي الفضل فيه بعد الله، وإنّه لولا وجودها، لم يكن ليصل لأيّ شيء، وأنه لم يتخيل يومًا أن تتركه وترحل، وأنه في بعض الأحيان حين يجلس وحيدًا يسمع صوتها وأحيانًا يستيقظ على صوتها“.
وأرسل رسالة وداع رقيقة للجمهور وكأنّه كان يشعُر بأن الموت سيدقّ بابه، فمات السقا الذي احتار الموت في أمره.

عزّت العلايلي، صاحب أهم فيلم عربيّ يناقش فلسفة الموت، “المعلم شوشة” الذي كان يخشى الموت حد الموت ومن ثم صار له صديقًا، يجالسه طوال الليل ويرتزق منه بالصباح. وُلد في حيّ باب الشعرية في القاهرة في الخامس عشر من سبتمبر سنة (1934) ليعاصر مصر في حِقَبها المتعدّدة منذ كانت مملكةً ثم جمهوريةً ثم وحدتها مع سوريا تحت اسم “الجمهورية العربية المتّحدة” وأخيرًا مصر بثوبها الحالي، حصل على بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية سنة (1960)، رغم أنّه كان يحبّ التمثيل منذ صغره وحلمه أن يعمل به بسرعة، إلّا أنّ وفاة والده -رحمة الله عليه- جعلت حلمه يتأخّر؛ لأنّه كان يحتاج منه إلى تركيز كبير.

بدأ العلايلي حياته مُعِدًّا للبرامج، فكانت البداية سنة (1962) من خلال فيلم “رسالة من امرأة مجهولة” الذي كان شهادة ميلاده الحقيقية، والذي جعل العالم أجمع يكتشف فنانًا موهوبًا ولديه الكثير ليقدّمه. توالت بعدها الأعمال اللي قدّمها لتصل لأكثر من (200) عمل دراميّ ما بين سينما وتليفزيون ومسرح، كان العلايلي حريصًا على دقّته في اختيار معظم أدواره؛ ليترك علامةً وبصمةً للجميع.

لم يحصل فنّانُنا على لقب “فارس الدراما العربية” هباءً؛ بل جاء بعد مجهود غير مُدرَك، مجهود استثنائي استطاع من خلاله تسطير اسمه بين صفحات التاريخ بل وفي مقدّمتها. كان عزّت قد شارك في كمّ كبير من الأعمال الراسخة في أذهان أبناء مصر؛ فقد شارك في “ذئاب لا تأكل اللحم” عام (1973)، و”الطريق إلى إيلات” عام (1993) والذي يُعدّ عملًا وطنيًّا بل وقضيّة شرف يتقلّدها المصريون جميعهم. كذلك برزت أدواره في أعمال أخرى مثل: “الأرض” عام (1969)، و”السقا مات” عام (1981)، و”المواطن مصري” عام (1991)، و”أهل القمّة” عام (1981)، و”القادسية” عام (1981)، و”على من نطق الرصاص” عام (1975)، و”الاختيار” عام (1970)، و”الإنس والجنّ” عام (1985)، و”الطوق والإسورة” عام (1986)، و”الناس والنيل” عام (1964)، و”رسالة من امرأة مجهولة” عام (1963). كما شارك من أعوام قليلة في “تراب الماس” عام (2018) ليختم به مشواره المُكلّل بالنجاحات وليُبقي صورته عالقةً في أذهاننا.

وتثمينًا لأدواره التي شارك بها، وحفظًا لبعض جهوده، فقد كُرّم العلايلي ببضع جوائز وتكريمات مثل: نيله جائزة “أحسن ممثل” عن دوره في فيلم “الطريق إلى إيلات“، كما نال درعًا تكريميًّا في مهرجان “ART” السينمائي عام (2009)، كما حصل أخيرًا على تكريم في مهرجان “وهران” للفيلم العربي لعام (2017).

كان قد ظهر في إحدى مشاهد “السقا مات” بدور “المعلم شوشة” مرعوبًا من فكرة الموت، ولكنني أعتقد أن عزت العلايلي ذاته لم يكن كذلك؛ لأنه من المؤكّد في رحلة حياته قد اكتشف قيمة الحياة وحتمية الموت، كما حدث مع المعلم شوشة في نهاية الفيلم.
وكحال كلّ شيء منتهٍ، ولأنّها سنّة الحياة، خرج علينا صباح اليوم الجمعة الخامس من فبراير من العام (2021) نجلُه –محمود العلايلي– ليُعلن وفاة والده ولفقدان مصر أحد نوابغها الفنّية. ربما يكون قد رحل جسده، إلّا أنّ الأكيد أنّ أثره باقٍ في نفوس كل مقدّر للفنّ. وداعًا يا سقا، لقد أخذك الموت منّا، ولكنك ستظل خالدًا بيننا.

– ميار عبود.

– صهيب خضر.