كيمياء الضحك

إن الطب هو إبقاء المريض مستمتعًا بينما تعالج الطبيعة من مرضه.



لا أنكر أننا شعب غريب للغاية، وقد تجد ذلك في مقاطع الفيديو، والصور الطريفة التي انتشرت، وهذا ما يسمى بـ”الميمز والكوميكس”. نحول حياتنا الشاقة دائمًا إلى دعابة ولا أعلم ما المغزي وراء كل هذا. أنفعل ذلك لأننا شعب يحب الضحك والفكاهة وشعب -فرفوش- بطبعه؟ أم نفعل ذلك كوسيلة لمحاولة التخفيف من حدة الخطر والسخرية من أحزاننا قبل أن تسخر هي منا؟ وأتذكر الآن المثل الذي يقول“هم يضحك وهم يبكي”.

شعب يحول حياته البائسة الكئيبة؛ لدعابة يتضاحك عليها بين الحين والآخر؛ ليخفف من أثر ثقل الحياة على قلبه. أعتقد بأن العقل اللاواعي لدى المصريين ربما قد يُصاب بالجنون أو الإنفصام.

-ورغم ذلك يختلف الناس جمعيهم فى طريقة الضحك، فمنهم من تكون ضحكته عبارة عن ابتسامة خفيفة تنم عن الهدوء والخجل، ومنهم من تسمع صوت ضحكته التي تنم عن شيء من العفوية أو لفت الإنتباه، ومنهم من يضحك بهيستريا ليمتد الأمر إلى دموع العينين، واحمرار الوجه. فكلهم أوجه لعملة واحدة، وحسب ما ذكرت دكتورة(ماريا روز) بأن هواء الشهيق، والزفير المنظم لعملية الضحك كان له الدور البارز في نشوء اللغة ونشأة الروابط الإجتماعية.

-ولكن بعد أن خيمت تلك الغيمة السوداء من انتشار فيروس كورونا، وحصد كثير من الأرواح سواء من قريب أو بعيد، وانتشار الذعر فى نفوس أهل الأرض. غابت الضحكة عن معظمنا -اللهم إن لم يكن كلنا- وعم الفزع؛ إما في نفوس المصابين أو الأصحاء في البيوت؛ فغابت الضحكة. ما يزيد عن سبعة أشهر من الحظر فى المنازل ربما كان كافيًا؛ لشيوع موجة من الاكتئاب، والضغط النفسي.

-يقول فولتير: “إن الطب هو إبقاء المريض مستمتعًا بينما تعالج الطبيعة من مرضه”، إذًا هناك نوعًا آخر من العلاج متوفرًا فى كل ركنٍ فينا، ولكنه معبأ بغبار الإكتئاب، والحزن، ويحتاج فقط من ينفض عنه هذا الغبار بشيء من العدوى الجماعية، وهى المعروفة الآن بالعلاج بالضحك أو (يوجا الضحك).

-يصرف الناس الكثير من الأموال على الترفيه والتسلية، وقد يصل الأمر إلى اتجاههم؛ لتعاطى المخدرات، وذلك لسببين:

١- أن يهربوا من المشاكل والضغط النفسي.
٢- أن يحققوا النشوة، والسعادة فى تلك الأشياء الوهمية.

كل هذا وأكثر بسبب المشاكل النفسية الناجمة عن الأمراض العضوية أو النفسية؛ لذلك يستعيد العلماء دراسة الضحك؛ كترياق نفسي فقد نُشرت دراستين فى جامعات، ومعاهد الدنمارك عن الضحك فى عامين متواليين (٢٠١٦-٢٠١٧) الأولى بعنوان: (الصحة النفسية تطلب تركيز) والثانية بعنوان:( الرهانات التي تعزز العمر)

وقد أثبتا أن الضحك هو مخدر قوى للآلام، وأفضل الأدوية للعلاج، وأحيانًا يكون العلاج الوحيد.

فمن فوائد الضحك العظمية التي يغفل عنها الكثير أنه يحسن الصحة النفسية والجسدية حيث أنه: يقلل من المشاعر السلبية مثل القلق، والخوف، والتوتر، والغضب وأيضًا يقلل من إفراز هرمونات الخوف، والقلق مثل (الكورتيزول والأدرينالين) وتباعًا ينضبط ضغط الدم، ويزداد عدد الخلايا القاتلة للأورام والفيروسات.

-يقوي الضحك الجهاز المناعى حيث يزداد إنتاج الخلايا الليمفاوية(البائية والتائية) وهذا يساعد على إنتاج الأجسام المضادة للأمراض، وتحفيز الاستجابة المناعية.

بالإضافة إلى أن الضحك المصاحب بالقهقهة يعمل على تنظيف القنوات التنفسية من المخاط وزيادة نسبة الجلوبولين المناعي اللعابي الذي يحارب الكائنات المعدية التى تدخل الجسم من خلال الجهاز التنفسي، ويقوى عضلة القلب وينتظم معدل ضربات القلب، ويقضي على الشيخوخة المبكرة، وبالإضافة إلى أنه يساعد على إفراز هرمون (الإندروفين)، وهو يساعد على الإحساس بالسعادة وتحمل الألم بمعدل (٣٠) مرة عن المعدل الطبيعي وهذا ما نشرته جامعة أكسفورد بعدما أجرت تجربة على ثلاث مجموعات؛ الأولى منهم شاهدت برنامج مسرحي فكاهي، والثانية، والثالثة شاهدوا برنامج تلفزيوني عن الطبيعة، ومبارة جولف، فظهرت على المجموعة الأولى الارتياح والتفاؤل، وكانوا أكثر تحملًا للألم والضغوطات.

-‏ممارسة الضحك هو رياضة لأعضاء الجسم مثل الفم والرئتين والجهاز الهضمى كما أن مئة ضحكة تساوى ربع ساعة رياضة.
-لذلك إن كنت تعاني من مشاكل نفسية فما عليك إلا أن تجرب (Gelotherapy) أو (يوجا الضحك)، فكما تقول د/ ليليان عقيقى-استشارية العلاج الطبيعى بلبنان- أن ممارسة الأشخاص لهذا العلاج يتم عن طريق عدة تمارين وأسس علمية ومنها (عدوى الضحك)، وهى طريقة علاج جماعية تجعل الأشخاص يتبادلون فيها التحية ببتسامة ثم بعد ذلك تتعالى موجات الضحك عندهم تدريجيًا، وقد يحتاج الفرد لهذه الجلسات من (٢-٤) مرات فى الشهر حتى تتحسن نفسيته، وينتشل منها كل الطاقة السلبية مرحبًا بعدها بالحياة مرةً أخرى.

-‏كل ذلك يعتمد على نظرية ( إقناع عقلك اللاوعي) بأن الأمر لا يستحق الحزن، مما يؤثر عليك حقًا بالإيجاب، ولكن في بعض الأحيان يحمل الأمر بعداً آخر ولكنه سلبي، كالسخرية من الحزن أو لجوء البعض من السخرية من الأمور الهامة الملقاة على عاتقهم، مما يؤثر على عملهم، ويؤدي إلى التقصير أحياناً، وعمومًا فإن الأمر يحمل البعدين معًا وإليك أنت الخيار وعليك موازنة الأمور.