حين يدفعك التحدي لمجابهة الموت وتخطي الألم

"أخبِرو القس أن يرحل، أنا مازلت حيًّا" بهذه الكلمات أفصح "لاودا" عن تمرّدِه علي الموت وتشبُّثِه بالحياة.



“حين يدفعك التحدي لمجابهة الموت، وتخطي الألم”

“نيكي لاودا.. قصة تحدٍّ”

” وُلِدَ بطلُ قصتنا لعائلة برجوازية عام (1949)، في أُسرةٍ ترى أنها خُلقت ليلمع اسمها في مجال إدارة الأعمال، وأن سباقات السيارات حُمقٌ لا ينبغي لمثلِها أن يختلط اسمُها به. لا عجب في ذلك؛ فجدّه لأبيه هو رائد الأعمال والمحامي النمساوي الشهير (هانز لاودا). كان -كما عهِدناه- متمردًا، أشبه بحصانٍ جامح لن تصمُد أمام جموحِه وإصرارِه لدقيقة. رفض أن ينصاغ لرغبة عائلته وخاصةً والده.

بصعوبةٍ وعسر، انضم بأمواله إلى فريقٍ يُمكّنه من تحقيق حلمه والتسابق. تتوالى الأيام.. ويوقّع مع أحد أكبر الفرق الخاصة بسباقات السيارات -إن لم تكن أكبرها- بمرتب يكفي لتسديد ديونه التي انهالت عليه الفترة السابقة. تدور الأيام ويتوج كبطل العالم “فورمولا وان” لأول مرة في تاريخهِ عام (1975) بعد سِجالٍ من الحرب مع خِصمِهِ البريطاني العالمي “جيمس هانت”. فعجبًا للقدر وسخريته!

الأول من أغسطس لعام (1976)، أتى ذلك اليوم المشئوم مُصطحِبًا معه شبح الموت؛ ليترصد لروحِ “لاودا”. تأهّب المتسابقون لحلبة السباق الأصعب في سباق الجائزة الكبرى الألماني “نوربورغرينج”؛ لكنهم لم يسألوا الطقس عن رأيه فغضب الطقس وثار. وكان فيما يبدو أن مزاجَه عكر لكنهم علموا بذلك وأصروا أن يتحدوه. حاول “لاودا” أن يهدئ من ثورة الطقس ويسأل بقية المتسابقين أن يتم تأجيل السباق، لكنهم رفضوا وعلى رأسهم “جيمس هانت”. خضع لهم “لاودا” على مضض غاضًّا الطرف عن ثورة الطقس. ‏تحدّوا الطقس فتحداهم، واستعان بصديقَيْهِ -الموت والقدر- اللّذين أبَيَا أن ينصرفا دون اصطحاب أحد الأرواح.

بدأ السباق بهدوء، لكن اتّضح أنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة! حانت اللحظة، تعرّض “لاودا” لحادثٍ مروع أقل ما يُقال عنه أنه لا ينجو منه أحد. فما بالك مع ترصُّد الموت والقدر! ‏اشتعلت خلاله سيارة الفيراري الخاصة به، استنشق أبخرة سامة ساخنة، أُصيب بحروق بالغة، وأضرار شديدة في رئتيه. ظلّ في هذا الجحيم قرابة الدقيقة، يُشاهد صراع الموت والحياة؛ أيهما يظفر بروحِه؟ ‏ لم يجرؤ أحدٌ على التدخل وانتشاله من ذلك الجحيم إلى أن تدخلت العناية الإلهية لتوقف هذا الصراع، وتُعلن فوز الحياة على الموت، واستحواذها على روحه.

“أخبِروا القس أن يرحل، أنا مازلت حيًّا”، بهذه الكلمات أفصح “لاودا” عن تمرّدِه على الموت وتشبُّثِه بالحياة. يبدو أن “لاودا” قد أراد أن يُثبت للعالم أجمع أن الاستسلام لم يُخلق له.

عاد بعد (6) أسابيع فقط من ذلك اليوم المشئوم ليُذهل الجميع، وينافس في سباق الجائزة الكبرى في إيطاليا. رغم أن الضمادات ما زالت تحاوط رأسَه آنذاك -مع ألم رهيب بالطبع- لكن يبدو أنه قد تعلم ألا يعبث مع الطقس مرة أخرى. لم يستطع أن يحتفظ باللقب ذلك العام؛ حيث اقتنصه منه “جيمس هانت” بفارق نقطة واحدة.

تمُر الأيام، وتتوالى السنوات، وتتتابع العقود، ويظل أثر تلك الحروق موجودًا، كأن الزمان قد أبى أن يَمحو آثارها من على وجهه، أو أنه قد آثر أن يُبقيها كندباتٍ؛ لتشهد على خوضِه المعركة. يعود “لاودا” لينتقم من القدر، ويرد على سخريته، فيتوج بلقب بطل العالم في العام الذي يليه، ثم يتوج مرة أُخرى عام (1984).

“الاستسلام شيء لا يفعله لاودا”، صدقت يا لاودا؛ فأنت لم تعرف الاستسلام قط، والاستسلام لم يعرف طريقه  إليك.