انفجار هيروشيما النفسي

تخيل كل ما قد حدث في هيروشيما من دمار وخراب، قد يحدث داخل النفس البشرية.



عام (1945) -العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية- وقبل نهاية الحرب، اعتقدت الولايات المتحدة الأمريكية أنه بالإمكان إخضاع اليابان وإجبارها على الاستسلام من خلال إلقاء قنبلة نووية عليها؛ لذا قررت الولايات المتحدة في السادس من أغسطس إسقاط القنبلة الأولى على مدينة هيروشيما، والتي عرفت حينها بالولد الصغير. وكانت تلك أول سابقة لاستخدام سلاح نووي خلال حرب من الحروب.

أحدثت تلك الفاجعة خسائر تكبّدها الجنس البشري هنالك، ووصلت الوفيات إلى ما يقرب (140) ألفًا من سكان المدينة فقط! والذي بلغ عدد قاطنيها حوالي (350) ألفًا، ناهيك عن الأضرار العمرانية التي سبّبها الانفجار وسوّى الأرض بما عليها. وأيضًا الأضرار التابعة في الجينات الوراثية التي سبّبها الإشعاع الذريّ الناجم عن القنبلة، وغيرها من الأضرار الضخمة التي تلاها رفع اليابان للرّاية البيضاء وإعلان الاستسلام وإنهاء الحرب العالمية الثانية.

كل تلك الأحداث كانت كفيلةً بإخفاء مدينة كاملة من على وجه الأرض؛ لكن أين تكون تلك المدينة –هيروشيما- الآن؟ أين هي اليابان في القرن الحادي والعشرين، بعد أن رفعت الراية البيضاء معلنة هزيمة نكراء وقتها؟

بعد أن دمرت برُمتها ووصلت إلى أسفل الأنقاض، أصبحت الآن من روّاد الدول في مجالات عدة، يُحتذى بها في أنظمة كثيرة مثل: التعليم، والتكنولوجيا، والصحة، والحياة عامة وما بها من نظام عجيب لا يمكن الإخلال به، وأيضًا النهوض من تحت الأنقاض بتفوّق عمرانيّ مذهل لا مثيل له.

والآن، تخيل كل ما قد حدث في هيروشيما من دمار وخراب كان على وشك فنائها للأبد، قد يحدث داخل النفس البشرية. نعم، لقد قرأت صحيحًا. كثرة الضغوط على اليابان ومقاومتها لكل ذلك، أدى إلى انفجارٍ نووي داخلها، بالمثل قد يحدث داخل النفس من قِبَل الحياة؛ من كثرة الضغوط والمشاكل والصعاب. أحيانا، يؤدي كل ذلك إلى انفجار النفس وما بداخلها، والذي قد يصل بعد ذلك حد الاكتئاب، أو حد البهجة والارتياح. كيف؟ كالذي حدث في مدينة هيروشيما بعد أن دُمّرت في الانفجار ولم يتمكن الخراب منها، بل استطاعت النهوض إلى الحياة مرة أخرى. كذلك النفس، من الممكن ألّا تسلك طريق الاكتئاب المظلم، وتجد إحدى المواصلات لطريق البهجة والارتياح. ولكن سؤالًا آخر يطرح نفسه، كيف للنفس أن تنهض بعد طرحها أرضًا كهيروشيما التي نهضت، في وقت أقل بمراحل؟

في السابق وأثناء المرحلة الابتدائية، كان هناك موضوع يُدعى مقياس الرسم في مادة الدراسات؛ أنّ لكل وحدة قياس على الخريطة، يناظرها عشرة أضعاف تلك الوحدة على الأرض. والآن قم بالمثل بين النفس والمدينة، فهي استغرقت سنين ليست بقليلة للظهور على قيد الحياة مرة أخرى، وذلك يماثل أيامًا فقط بالنسبة للنفس حسب نظرية مقياس الرسم الجغرافية.

هذه الحياة بها الكثير والكثير من الصعاب، قد تطرح أصلب شخصٍ فينا أرضًا بكثير من المحاولات؛ لأن ذلك من مهامها. ولكن عليك أن تثبت لها أنك أيضًا لك مهمة متمثلة في الوقوف ضدها مهما حدث. كمهمة هيروشيما للنهوض بعد أن ألقت بها الحياة -المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية- أرضًا.

الجميع يعلم أن خاصية الامتصاص داخل النفس قوية، تستطيع امتصاص كل تلك الصعاب ولحظات الانكسار؛ ولكنها اللحظة الحاسمة. لحظة الانفجار وما بعدها، لحظة لا تستطيع فيها الامتصاص مرة أخرى! وفي نفس ذات الوقت هناك هياج في الداخل. وي كأن مادة كيميائيةً تفاعلت مع ما بالداخل. لذا وبالإجبار سيحدث ذاك الانفجار العظيم الذي لا تستطيع فيه الإحساس بالحياة؛ لأنه يتابعه ضيق النفس والتنفس. كأن الأكسجين الموجود في الهواء لا يكفيك وتريد المزيد. حتى ينتهى الانفجار ويتابعه الرماد الذي يخمد النيران الحارقة ويجعل النفس هادئة من الخارج، هائجة في حالة خراب من الداخل،فكيف لتلك الحالة أن تسلك بالنفس طريقا غير طريق الاكتئاب؟كأن أحدًا قام باختطافها لذاك السبيل.

إنّه عامل الوقت الذي يكون دائما الحل الأول والأمثل لأي مشكلة كانت، أيًا كانت تلك الحالة التي تغرق فيها النفس، دعها تأخذ وقتها الكافي! ولا تجعلها تجدّف ضد التيار؛ لأن ذلك سيقوم بإهلاكها حدّ الفناء. لأن الوقت هو أكثر العوامل علاجًا لأي شيء، لكن لا تعتقد شفقةً ستلقاها من الحياة بعد ذلك، فهي -كما قلت سابقًا- مهمتها الوقوف ضدك وتحدّيك، لذا فأنت وحدك. كيف ستعود للنهوض مرة أخرى؟ إنها اللحظة الفاصلة ما بين بعد الانفجار، وقبل العودة للحياة مرة أخرى ولكن بنسخة أفضل. إنه قرارك! أتريد أن تكون مدينةً دُمرت بأكملها ولا تريد حتى بذل المجهود بتجنب الفناء؟ أم تريد أن تكون هيروشيما التي عادت للبعث جديدةً كليًا بعد الموت؟

كتابة/ مصطفى قاسم.