من القرية إلى النجومية

خسر الوسط الفني كاتبًا من طراز خاص، وأستاذَا كبيرًا لكثير من كتاب ومؤلفي الأعمال الفنية البارزة.



من إحدى قرى محافظة الشرقية إلى النجومية. داهمتنا بداية (2021) بصدمة على المستوى الفني خاصةً على مستوى محبي وعشاق الأعمال المثيرة للجدل، وذلك بوفاة الكاتب والسيناريست الكبير/ وحيد حامد عن عمر يناهز ال (76) عامًا -إثر أزمة قلبية- عقب دخوله المستشفى بعدة أيام. أعلن ابنه المخرج/ مروان حامد وفاته بالأمس؛ فخسر الوسط الفني كاتبًا من طراز خاص، وأستاذًا كبيرًا لكثير من كتّاب ومؤلفي الأعمال الفنية البارزة -الآن-، وأكثر كاتبٍ تحصد أعماله الضجة والجوائز في آن واحد، فمن هو (وحيد حامد)؟

أهو ابن قرية قريش، أم كاتب القصص القصيرة والمقالات الاجتماعية والسياسية، أم أنه صاحب الثنائي العظيم مع الفنان (عادل إمام)، والتي أحدثت أفلامه ومقالاته ضجة في عالم السياسية أم ماذا؟ هو -ولحسن الحظ- جميعهم.. هو الراحل بالأمس القريب عن عالمنا (الكاتب والسيناريست/ وحيد حامد). هو ابن قرية بنى قريش التابعة لإحدى مراكز محافظة الشرقية ومن مواليد شهر يوليو لعام ( 1744). عاش بالقرية واتجه بعدها للمدينة فاحتكّ بمعظم طوائف الشعب. عقّب في إحدى لقاءاته:- ” أنا ابن الشارع”، فاستطاع نقل معاناة الناس في أكثر من ثمانين عملًا.

بدأت مسيرته في أواخر الستينيات من القرن الماضي عندما تخرّج من قسم الاجتماع بكلية الآداب، ثم اتّجه لكتابة القصص فكانت أول مجموعة قصصية له بعنوان “القمر يقتل عشّاقه”، ولكنّ ما حدث معه في نادي القصص -عندما كان يتلو قصته هناك وتلقى نقدًا حادًا من أحد المستمعين آنذاك-، جعله يعقد العزم أن يتوقف عن الكتابة ويعود لقريته من حيث جاء. إلا أن سكرتير النادي أثنى على قصته وشجعه فكانت هي البذرة الأولى لانطلاقه.

استمر في كتابة المقالات والمسرحيات فكانت أول مسرحية له بعنوان “آه يا بلد” عام (1971) والتي حازت على جائزة “أفضل مسرحية” في هذا العام، وقابل عددًا من الكتاب أمثال (نجيب محفوظ) و(عبد الرحمن الشرقاوي) حتى قابل الكاتب/ يوسف إدريس وغير وجهة نظره عن الكتابة وأقنعه أن يكرّسها لمجال السينما والتلفزيون، فاتجه (وحيد حامد) لكتابة السيناريوهات الخاصة بالأفلام يتمتّع بالجرأة والحدة في قلمه تارةً وتارةً أخرى يتمتع بالخفة والكوميديا. عمل مع معظم الفنانين على مدار أربعة عقود أبرزهم: (عادل إمام)، (أحمد ذكي)، (نور الشريف)، (محمود عبد العزيز) و(إلهام شاهين) و(ميرفت أمين) وغيرهم من فناني الجيل الحديث مثل (منى ذكي) و(حنان ترك) و(هاني رمزي) و(هاني سلامة) وغيرهم.

ألّف وحيد حامد عددًا من الأفلام منها: (الهلفوت، البريء ، اللعب مع الكبار، طيور الظلام، الإرهاب والكباب، دم الغزال، المنسي، سوق المتعة، معالي الوزير، حد السيف، اضحك الصورة تطلع حلوة، احكي يا شهرزاد، محامي خلع، الأولة في الغرام). ومن الأعمال التلفزيونية مثل: (شياطين الليل، الرجل الذي عاد، الدنيا على جناح يمامة، أوان الورد وغير ذلك الكثير). ولكنّ تميُّز وحيد حامد كان في كل فروع الكتابة. كتب من المقالات: (حديث الدخان، استيقظوا أو موتوا)، وفى السباعيات او الخمسيات: (الشيطان يعود، الناس سنة (2000)، وغيرهم ).

تمتعت أفلامه على مستوى مشواره الفني بإثارة الضجة، ليس في العالم الفني فقط وإنما في السياسي والاجتماعي أيضًا؛ فمُنع أحد أفلامه من العرض داخل مصر وخارجها مثل: فيلم (الغول) -عام (1983) للفنان عادل إمام وإخراج (سمير سيف) الذي كانت نهايته إسقاط لحادثة مقتل السادات-. ومُنع على نفس شاكلة فيلم (الغول) أيضًا فيلم (البرئ) -عام( 1986) من بطولة الفنانين الراحلين (أحمد ذكى ومحمود عبد العزيز) وإخراج (عاطف الطيب)-، حيث صرّح أحد رجال السياسة آنذاك أن مشاهده قد صُورت في معتقلات حقيقية.

وتعتبر آخر أعماله هو فيلم (قط وفار)، ومسلسل (الجماعة) وكان من المقرر استكمال الجزء الثالث منه بعدما أثار الجزء الأول والثاني ضجة -كالعادة-، فضلاً عن تميّزه عن بقية الكتاب بعدم تغيير مشاهده أو إعادة صياغتها كما صرحت الفنانة (نادية الجندي) في إحدى مداخلاتها التلفزيونية؛ وهذا جعله يحصد عددًا مهولًا من الجوائز على مدار مشواره الفني في مختلف أعماله الفنية أولها جائزة “أحسن مسرحية” لعام (1971) عن مسرحية “آه يا بلد”، مرورًا بجوائز عدة مثل: “جائزة أحسن فيلم” عن (ملف في الآداب) من وزارة الثقافة عام( 1985)، وجائزة “مصطفى أمين وعلي أمين” عن فيلم (البريء) عام ( 1986)، جائزة “مهرجان القاهرة السينمائي للسيناريو المتميز” عامي ( 1990/1991)، جائزة “أحسن مسلسل تلفزيوني” عن (أوان الورد) من وزارة الإعلام عام (2001)، وبجائزة “الدولة التقديرية” عام ( 2008) وجائزة “النيل” عام ( 2012) وهي أعلى جائزة تمنحها الدولة. ويختتم عقد جوائزه بجائزة “الهرم الذهبي لإنجاز العمر” من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي -في دورته الثانية والأربعين- وهذا كان آخر ظهور له أمام الكاميرات؛ ليرحل عن عالمنا تاركًا وراءه إرثًا كبيرًا من الأعمال الفنية وخسارة في قلوبنا.