جلال الدين الرومي

وهبه الله نورًا في قلبه فاستطاع أن يبثّه إيّانا، وأن يمنحنا الكثير من فنّه وأدبه وعلمه.



“النور الذي في العين فليس إلا أثراً من نور القلب، وأما النور الذي في القلب فهو من نور الله”

كانت تلك أحد مقولات جلال الدين الرومي، الشاعر والكاتب والعالم، والعديد من الأشياء الأخرى التي استطاعت جميعها أن تترك نورًا في أنفسنا جميعًا. 

ربما وهبه الله نورًا في قلبه فاستطاع أن يبثّه إيّانا، وأن يمنحنا الكثير من فنّه وأدبه وعلمه. وفي سياق ذلك الحديث؛ وإحياءً لذكرى وفاته، فلا أودّ أن أتحدث عن معلومات ربما تجدها غير مفيدة لك، ولا تعنيك في شيء. أريد أن أذهب بعيدًا عن ذلك، وأن أتعمق في شخصيته التي أبهرت الكثير. وعن مؤلفاته وأعماله التي أضاءت العقول، ومن علمه الذي نهل منه الناس وعن سعيه الدائم للوصول إلى الله بكل ما قد يحيط به في الحياة فيريد الوصول إلى الله في معاني ربما لم يتلفت إليها الكثير؛ فيصل بهذا إلى أعمق شعورٍ في النفس ويؤثر فيها، فيتعمق لدينا شعور بالروحانية والإيمان. كما أريد أن أسرد قليلًا من مقولاته التي اقتبسها الناس، وربما سار البعض بها كمنهج للحياة؛ فقد ظلت كلمات جلال الدين الرومي حيةً حتى بعد موته وحتى اللحظة التي أحاول أن أجد فيها من الكلمات ما قد يناسب؛ لأستطيع وصفه والتحدث عنه ولو قليلًا.

جلال الدين الرومي فارسيّ الأصل، تركيّ الموطن. كان وما زال أحد أبرز أعلام التصوّف في التاريخ الإسلامي كله، ومن أكثر المؤثرين في الناس من خلال رسالته التي كان يخاطب بها الكثير من الناس، والتي ألهمت العديد من الحضارات فيما بعد.

درس العلوم الشرعية على يد الكثير من العلماء والشيوخ، ثم اتّجه لدراسة مباديء علم التصوف -الذي اجتهد فيه- وسلك فيه طريقًا طويلًا انتهى بتحقيق رسالته التي تناقلتها الأجيال من بعده.

التقى جلال الدين الرومي بشمس الدين التبريزي، وكان هذا اللقاء بمثابة نقطة التحوّل في حياة جلال الدين الرومي؛ حيث دخل بفضله إلى عالم التصوف. وبعد أن كان مقتصرًا فقط على العلوم الشرعية العقلية فقط، فقد سلك طريق التصوف الفلسفي، واستغرق في دراسته وتعمق فيه حتى أصبح اليوم أحد أبرز أعلام التصوّف. 

كان الرومي مؤمنًا بالله، موحدًا به، ومُحبًا له، الحب الذي دفعه إلى تطويع كل الأشياء من حوله لهدفٍ واحد فقط وهو الوصول إلى الله -عزوجل-؛ حيث حاول استغلال الشعر والموسيقى والذكر في تحقيق هدفه، واستطاع أن يجمع بينهم في مزيج عجيب. تستطيع الموسيقى الروحية مع كلمات الذكر والمديح أن تأخذك لعالم آخر لتعود بعدها للواقع مرة أخرى وداخلك يمتليء بالروحانية. ومن هنا جاءت فكرة الرقص الدائري، أو فيما يعرف في وقتنا الحالي ب “التنورة”، والتي يتّخذها الناس الآن كطقوس. 

 يعتبر المولويين الإستماع والإنصات للموسيقى تأخذك في رحلة طويلة روحية، وتنمي بداخلك مشاعر عدة، حتى إذا عدت من تلك الرحلة، تكون ممتلئًا بالكثير من المعاني التي ربما تساعدك في الوصول لطريق الله. 

وإلى جانب العلوم الشرعية والصوفية، فقد كان ضليعًا في العلوم العقلية، بالإضافة إلى قدرته الأدبية وبلاغته وفصاحته التي استطاع من خلالها أن يصل لأفكاره تلك. كان بارعًا أيضًا في إيصال أفكاره  للناس بلغة بسيطة وبأسلوب واضح جذاب وبكل الطرق الممكنة من القرآن والسنة وحكايا السابقين. 

وكعادة الكثيرين، يبالغ البعض في حبه وتأييده للرومي لدرجة تصل حدّ التقديس. وينسجون الأساطير والحكايات من وحي خيالهم، والبعض الآخر قد أنكر عليه تلك الطريقة؛ معتمدين على الطرق والعلوم الشرعية العقلية فقط. ربما اختلف البعض على سلوكه لطريق التصوّف، ولكن اتفق الجميع على براعته وعلمه وأثره الكبير في النفوس.

لم يكتفي جلال الدين الرومي من إيصال فكرته في الصوفية والفلسفة والعلمية والأدبية فقط، ولكنّه قام أيضًا بتوثيق أفكاره تلك في العديد من المؤلفات، منها ما هو منظوم مثل: “ديوان شمس الدين التبريزي” والذي تضمن ذكرياته مع أستاذه، وديوان “المثنوي”  ويتضمن العديد من الأبيات الفارسية -وتتضح به شخصيته المتصوفة-، وهو يتكون من (٦) أجزاء وتعتبر من تراث الأدب العظيم “والرباعيات” ويبلغ عددها (١٩٥٩).

أما أعماله المنثورة، فكتاب يسمى “فيه ما فيه” يحتوي على الدروس التي كان يلقيها، وبعضًا من الأسئلة التي كانت تأتيه ورسائل لمريديه. وكتاب يتضمن مجموعة مواعظ وهو “مجالس سبعة”. 

تمت ترجمة العديد من مؤلفاته إلى اللغات العالمية مثل الأوروبية؛ هكذا استطاع جلال الدين الرومي أن ينشر رسالته وعلمه، وأن يعلو اسمه ويرتفع، ويخلّد أثره في الأرض بعد رحيله. 

ومن أشهر مقولاته: 

  • “لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك؟”
  • “وضع الله أمامنا سُلّمًا، علينا أن نتسلقه درجةً إثر درجة، لديك قدمان فلم التظاهر بالعرج؟”
  • “تعلمت التفكير، بعدها تعلمت التفكير داخل قوالب، بعدها تعلمت أن التفكير الصحيح هو التفكير من خلال تحطيم القوالب.”
  • “ارتقِ بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك.”
  • “يا أخي أنت مجرد فكر وما بقي منك عظام وجلد.”