اليوم العالمي للغة العربية

من المنصف أن نذكر ونعدد من محاسن لغتنا، ف اعتزاز الفرد بلغته هو اعتزاز بهويته وذلك له تأثير قوي على شخصيته، ولا يمكن لشخص الحياة دون هوية.



“إن الذي ملأ اللغات محاسنًا، جعل الجمال وسره في الضاد”

اللغة العربية، لغة الضاد، لغة القرآن، وأم اللغات، لذلك فإنه من المنصف أن نذكر ونعدد من محاسن لغتنا، فاعتزاز الفرد بلغته هو اعتزاز بهويته وذلك له تأثير قوي على شخصيته، ولا يمكن لشخص الحياة دون هوية، فما بالك وأنت -أيها المواطن العربي- تنتمي إلى لغة كأنها زبد البحر، لا تنتهي مهما أجريت من أبحاث لغوية عنها، إنها لغة القرآن، واللغة التي يتحدث بها ما يقارب نصف مليار شخص حول العالم.

اليوم –الثامن عشر من ديسمبر- هو اليوم العالمي للغة العربية، وتم الاعلان عن ذلك اليوم لأول مره من قبل الجميعة العامة للأمم المتحدة عام (1973) بعد صدور قرار إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة.

وتعتبر اللغة العربية منهل ثقافي واسع من قديم الزمان، وذخرها بمصطلحات لغوية لا حصر لها كآيات من الجمال في الخطوط النثرية والشعرية، آيات جمالية رائعة تأسر القلوب في ميادين متنوعة تضم على سبيل المثال لا الحصر الهندسة والشعر والفلسفة والغناء. وسادت العربية لقرون طويلة من تاريخها بوصفها لغة السياسة والعلم والأدب، فأثرت في كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي، مثل: التركية والفارسية والكردية والأوردية والماليزية والإندونيسية والألبانية وبعض اللغات الإفريقية الأخرى مثل الهاوسا والسواحيلية، وبعض اللغات الأوروبية وخاصةً المتوسطية منها كالإسبانية والبرتغالية والمالطية والصقلية.

وفضلا عن ذلك، كانت لغة العلم من خلال العلماء العرب كابن النفيس وابن سينا والفارابي والمتنبي، في علوم الطب والهندسة والفلك وعلم النفس وفي الشعر، وتأثر التالين من علماء الغرب بهم، ومن هذا فيثبت المنشأ الاول لكثير من العلوم الموجودة حاليا، ولكن أين هي اللغة العربية الآن من تلك العلوم! أين تقع من أهمية في هذا الزمان!

فعلى الرغم من تكريم الله لها، وجعلها لغة القرآن، فإننا بأيدينا نضعفها ونقضي عليها تدريجيًا، وأكاد أجزم أنه لولا تكريم الله لها وجعلها لغة القرآن الذي يُتلى دائما وأبدا في جميع أنحاء العالم أنها كانت ستندثر.

لو أمعنا النظر قليلًا لأدركنا أن كل ما يواجه اللغة العربية من مشكلات وتحديات سببه في الأصل نحن.

ولذلك فإن ما يُهدد اللغة العربية يتضخم، وتتفاقم المشكلة يومًا بعد يوم، دون السعي منا للحد من الخطر الذي يواجهنا.
اللهجات العامية والهلط بين العربية والإنجليزية، والاستهتار وعدم التمسك بلغتنا، كل ذلك ينهش في جسد لغتنا العربية، وكما ذكرت فإننا ربما نفعل الكثير ونسيء للغتنا العريقة ولهويتنا، دون أن ندرك ذلك، وربما أيضًا هناك أسباب أخرى دخيلة علينا هدفها هو اندثار اللغة.

إنك إذا تأملت الحال من حولك، سترى أن كل ما قد يحيط بك يؤثر بالسلب في لغتنا، وستجد أننا قد اصطنعنا لغة عامية دارجة، والتي قد أصبحت دخيلة على اللغة العربية الفصحى، فنتبنى مصطلحات دارجة أو غربية من نوعها، والتي عملت على مزاحمة اللغة العربية في كافة المجالات، فلو اتجهنا لمؤسسات التعليم بكافة أشكالها وأنواعها، فسنجد أن بؤرة المرض تبدأ من هنا، وتساعدها الكثير من العوامل الخارجية الأخرى على التفشي والانتشار، ففي المدرسة مثلًا، أول محطات التعليم، نجد أن الطلاب لا يعرفون اللغة العربية الفصحى إلا مكتوبة فقط، ولا نجد للغة العربية متسع للتحدث أو النطق بها، بل نستبدلها بألفاظ عامية، فنجد المدرس يقوم بتقديم المادة العلمية في قالب عامّي، معتقدًا أن ذلك لتسهيل الأمر على الطلاب.

وكما طغت العامية على المدارس، كذلك قامت اللغات الأجنبية بمزاحمة اللغة العربية في الجامعات، فتجد معظم المناهج الدراسية مكتوبة باللغة الإنجليزية.
وكذلك الحال أيضًا في المحاضرات العامة، والخطب الدينية والندوات، فكل ذلك قد سيطر عليه العامية، وقد تجد قلة منفردة هي من قد تتمسك باللغة العربية الفصحى.
ولو نظرنا لبُعدٍ آخر لا يقل أهمية عن بعد المؤسسات التعليمية، وهو وسائل الإعلام المختلفة، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة.

فجميع شرائح المجتمع، وكل الفئات العمرية، تتأثر بكافة وسائل الإعلام، وبالتأكيد أيضًا أن ذلك التأثر يشمل اللغة، وفي عصرنا الحالي لا تجد من يتحدث باللغة العربية الفصحى فقط، فإما يتجه للعامية، أو يمزج بينهما، ومن رأيي فإنه لا يوجد أفضل من اللغة العربية في حمل رسالة الإعلام، وانتقاء أفضل الكلمات لتوصيل رسالتهم، أما إذا غلبت العامية على أسلوبهم فإن ذلك يعيق انتشار الرسالة إلى مختلف المجتمعات، فالعامية لا يعرفها سوا المتحدثين والناطقين بها، في موقع جغرافي محدود، وبالتالي يصعب على أهل البلدان الأخرى فهم تلك الكلمات.

فجعل اللغة العربية الفصحى هي اللغة الأساسية في كل وسائل الإعلام، يرسل رسالة غير مباشرة للأفراد بالتحدث بلغتهم والتمسك بها، وكذلك يأتي دور الإعلام في توعية أفراد المجتمع بإحياء اللغة العربية، ولفت نظرهم تجاه التحديات التي تواجهها، والدعوة إلى مواجهتها وعلاجها.

وقد تجد بعض قنوات الأطفال التي تتحدث بالعربية الفصحى، وترى أثر تلك القنوات على الأطفال، وهم يكررون ما قد سمعوه، وينطقون ألفاظ فصيحة، وهذا دليل قوي على أن السماع للغة العربية يؤثر في التكوين اللغوي، لذلك يجب أن نهتم بتلك القنوات ونكثر منها لننشئ أجيال جديدة ناطقة بالعربية، ويجب أن يلتفت الإعلام للدور الواقع على عاتقه في إحياء اللغة العربية بين الأمم.
دعني أيضًا أن أتطرق لنقطة أخرى وهي ارتباط اللغة بالهوية.

هل تعتقد أن الهوية والشخصية ترتبط ارتباطًا وثيقًا باللغة المُتحدَّث بها؟
للغة أهمية كبيرة ودور كبير في تشكيل شخصية الفرد وفي تكوين معتقداته ومبادئه، وأن تتعمق وتتمكن في لغتك هو أمر في غاية الأهمية، وأن تكون لغتك ثريَّة وقويَّة هو أمر سينعكس عليك وعلى شخصيتك بصورة إيجابية، أحيانًا طلاب الثانوية من الشعب العلمية يشتكون من دراسة الأدب والشعر بتعمق بينما هم يتعمقون في العلوم البحتة، ولكن دراستهم وتعمقهم في اللغة ينعكس عليهم بما يفيدهم في الاعتزاز بهويتهم ويؤثر على شخصيتهم. سأطرح عليكم سؤال فلسفي مثير للجدل بعض الشيء؛ هل المتحدث هو من يفهم الأمور بعقله أم أن اللغة التي تتحكم في فهمه للأمور!

في بداية القرن العشرين ظهرت نظرية فلسفية تفترض أن اللغة تؤثر بقوة في سلوك المتحدثين بها، وأن هناك لغات أرقى من لغات أخرى، وأن اللغات الأقل رقيًّا تُعتبر هي السبب في تأخر أهلها، وظهرت مطالبات بالقضاء على لغة المواطنين الأصليين في أميركا لأنها -طبقًا لهذه النظرية- السبب في تصرفاتهم الهمجية، وضرورة إجبارهم على تعلم الإنجليزية لأنها أرقى. لغتك يمكنها أن تحدد فهمك للعالم، فمثلًا في اللغة الفنلندية ليس هناك فرق بين المذكر والمؤنث في الضمائر، تخيل عزيزي القارئ أن الطفل الناطق باللغة الفنلندية لا يستطيع أن يفرق بين أمه وأبيه في الخطاب، والأم لا تفرق بين الولد والبنت في خطابها، لا وجود ل (هو) و (هي) في الكلام فكلاهما نفس المعنى في لفظ واحد بالنسبة للفنلندي.

مدى ثراء وقوة لغتك يؤثر عليك، قام الباحثون بدراسة على قبيلة بدائية تتكون من (200) شخص يعيشون على شاطئ نهر الأمازون، وكان نظام العد عند هذه القبيلة هو: (1، 2، كثير).. وكل ما هو أكثر من إثنين فهو بالنسبة لهم كثير، هم لا يعرفون العد أو حتى التفرقة بين الثلاثة والعشرة أو المائة أو أي رقم آخر باستثناء الواحد والإثنين، ولبساطة حياتهم كان هذا النظام في العد يكفيهم، قام الباحثون بوضع (15) سمكة على الطَّاولة أمامهم وطلبوا منهم أن يقوموا بوضع كمية من السمك تساوي هذه الكمية، ولكن المفاجأة أن أهل القبيلة فشلوا تمامًا في تقليد هذا العدد أو حتى مقاربته، وكلما زاد العدد زاد الأمر صعوبة عليهم؛ لأن لغتهم لا تدعم هذه الأرقام فمن الصعب عليهم فهم ما ليس في لغتهم.
ومما يقوم بالتشويش على الفرد في هويته هو تركه لغته الأم وذهابه إلى لغة أخرى للتباهي كما نرى في مصر من يتحدثون بالإنجليزية أكثر من العربية أو يخلطون بينهما، وبعد ذلك يعتادوا على الأمر وتندثر هويته مع اندثار اعتزازه بها.

وختامًا فإن اللغة العربية هي من أعرق اللغات، وهي من أعظم لغات الأرض، لذلك فهي محفوفة بالتحديات والمشكلات من كل جانب، ونتيجة لكثرة تلك المشكلات التي تحيط بنا من كل الاتجاهات، فإنه يلزم علينا أن نعد الحلول التي تساعد على انتشار الفصحى والقضاء على كل ما يواجهها، وليس العكس كما يحدث الآن، لذلك فإن الدور يشمل المجتمع وكياناته من مؤسسات، أو أفراد، بدايةً من البيت -منشأ الفرد- والبيئة التي تؤثر به، فنحاول بقدر الإمكان أن نزرع بهم حب اللغة والنطق والتحدث بها، والاشتراك مع باقي المؤسسات التعليمية كالمدرسة والجامعات.

إنها لا تفشل أبدا في وصف أيا يكن، وفي أي زمن كان. ورغم كل المحاولات لطمس اللغة، والقضاء عليها، ولكنها ستظل باقية، فيكفي أن الله قد كرمها وميَّزها على كل اللغات بجعلها لغة القرآن، وبالتالي فإنها لا يمكن أبدا أن تندثر، لذلك يجب علينا أن ندرك مدى عظمتها، وأن نعتز بها، ولا نلوثها بإضافة المصطلحات الدخيلة عليها، وأن نحرص كل الحرص على أن تظل لغة الضاد دائما متفردة ومتميزة، وفي النهاية مهما أسهبنا في الحديث، ومهما كثرت الكلمات، ولا نستطيع أن نجد من كلماتها وحروفها ما يليق بعظمتها، فلا يسعنا حينها سوا أن نبادر بإحيائها وأن نحرص دائما على التمسك بها، ومن أجل كل ذلك سنسعى بكل ما نملك من طاقة حتى تظل لغتنا العريقة دائمًا وأبدًا في المقدمة.

-كتابة: أحمد الظريف، مصطفى قاسم، أفنان الحفناوي.