التوتر ضحية وليس الجاني

شعور التوتر يدفعك للحفاظ على حياتك، أما الإفراط فيه قد يصل إلى حد الموت...



 


نحن الشباب نعيش زهوة عمرنا وربيع حياتنا، حيوية من نوع آخر، ولكن يعكر صفوها تشتتنا وخوفنا من المستقبل، خوفنا من القادم والمجهول، نعاني أمرّ الأحاسيس؛ الخوف من الفشل، نتذكر منها مثل تلك الليالي؛ ليالي الامتحانات، نعيش في تلك الليالي لحظات لا تُنسى، نشعر بدقات عقارب الساعة تُنذر بقرب انتهاء الوقت. ومازال أمامك الكثير والكثير، الأوراق أمامك وكأنها بحر لا ينفد أبدًا ولا مفر منها، حتى في نومك تأتيك الكوابيس وكأنهم أشخاص يهِمّون بحملك من على سريرك ويلقون بكَ على مكتبك لتبدأ اليوم وليس الغد، وليلة الامتحان متاهة لا تنجو منها إلا بأعجوبة. 

وفناجين القهوة شهود على قلبك المسكين ضحية الامتياز والسعي وراء التقدير، ووسائل التواصل مليئة بالشكوى والحسرة، وأصدقاؤك على الهاتف يشكون مرارة آلام تلك الليالي الشتوية وعذاب بعدهم عن السرير ودفئه، الضغط يزيد والوقت يتلاشى وقلبك ينتفض من توترك وخوفك، تشعر بالدوار، وأحيانًا تجهش بالبكاء، قد يصل الأمر إلى الاكتئاب، وإن لم يكن الاكتئاب فإنه على الأقل يفسد حالتك الصحية والنفسية ويؤثر عليك بشتى الطرق. 

الضغط كفيل أن يحولك لشخص آخر شخص يحمل صفات ليست بصفاتك، قادر على أن يُمحي ضحكاتك وابتسامتك وانشراح صدرك للحياة، تشعر وكأن صدرك ضاق وبك هم وغم وقع على رأسك وكأن ماء ينسكب عليه لا تعرف مصدره ولكن تشعر أن الغرق حتمًا آتٍ. 

تُرى مَنْ يُوصلنا إلى تلك الحالة!

وما السبب وراءها؟ 

هل التوتر يؤثر علينا جميعًا بنفس الطريقة ويُهلك المشاعر بهذا القدر مع الجميع!

الحقيقة أن التوتر ليس الجاني مطلقًا، وليس هو منْ يفعل بك ذلك. عندما أراد العلماء أن يضعوا تعريفًا حقيقيًا للتوتر، اختلفوا في هذا التعريف فبعضهم وصف التوتر بأنه (حالة شعورية تحفز المرء على اتخاذ استجابات سلوكية، تستهدف تقليل التهديد الذي يتعرض له)، أي أنه من يدفع الناس للتغير، وأعني التغير للأفضل والوصول للأهداف العُليا، وكان للبعض نظرة أخرى بمشاعر سلبية وعرّفوه بأنه (تجربة شعورية، تنطوي على أفكار مزعجة ومستمرة بشأن المستقبل)، أي أنه شيء مزعج ويثير حالة نفسية سيئة لدى صاحبه. 

الحقيقة هنا أن التوتر هو الشيء السيء في حياتك –فقط إن جعلته أنت بنفسك سيء-، وهو الأفضل في حياتك –فقط إن جعلته أنت بنفسك شيء جيد-؛ بمعنى أن الأمور تُقاد بكَ أنت وبسيطرتك أنت، لا يمكن لأحد منا أن يصل لأي هدف في حياته سوى بالخوف والقلق، القلق من الفشل هو الدافع للأمام، هو مَنْ يدفعنا لنحقق هذا الهدف ونسعى إليه، ولكن لا يدفعنا للموت لأنك إن أَوصلت القلق إلى حد الاكتئاب والحزن، كأنك جعلت القلق سيف تحت ظهرك، وأنت تحمل فوق بطنك حجر إما أن ترمي الحجر وتتخلص منه وإما أن يثقل عليك الحمل فيخترق السيف ظهرك ويقتلك. 

ولكنك هكذا تظلم التوتر، لم يكن أبدًا ليطلب منك أن تقتل نفسك من أجل عدة علامات، أو منصب في شركة أو وظيفة هامة أو حتى نجاحك في بعض العلاقات، التوتر موجود فقط لدفعك للأمام، أما الخوف المرضي والحزن المتملك من قلبك هو من شيطانك ومن نفسك، يخرج السوء من الإفراط في الشعور والتطرف فيه حتي يخرج عن إطاره الأساسي. 

أقرّت الباحثة في علم النفس/كيت سويني -بلهجة يملؤها الأسف-: “بت أقرب إلى أن أكون محترفة في الشعور بالقلق”، وذلك لأنها لا تملك القدرة على التحكم ببعض المشاعر ومنها القلق الدائم لما عانته في حياتها، ولكن كيت حاولت أن تخرج الأمر الجيد من تطرف مشاعرها وخروجها عن السيطرة، حاولت استغلال تلك المشاعر في أن تدفعها للأمام، كان هذا الأمر من  الدوافع التي حددت بها مسارها المهني، إذ آثرت أن تكون خبيرة في الصحة النفسية في جامعة كاليفورنيا، وتتخصصت في فهم أسباب القلق والتوتر، وقالت كيت: “لا يستغل الجميع حياتهم وما يدور فيها، كوقود لأبحاثهم” واستعانت سويني ببعض تجاربها الحياتية، كأساس للدراسات النفسية التي تجريها. 

ومن بين النتائج المفاجئة التي كشفت عنها بعض هذه الدراسات أن القلق يمكن أن يكون مفيدًا جدًا للمرء، خلال مروره بمجموعة من المواقف المتنوعة، بدءًا من انتظاره لنتائج اختبار ما، إلى اتخاذه إجراءات لحماية صحته وحياته، أي أن شعور التوتر يدفعك للحفاظ على حياتك، أما الإفراط فيه قد يصل إلى حد الموت، يبدأ إدمان التوتر بالإصابة بالصداع والألم المزمن، صعوبة في النوم، مشاكل بالجهاز الهضمي، العزلة، ثم الاكتئاب وأحيانًا يصل للانتحار، وقد يؤدي إلى الإصابة بالسكتات الدماغية والنوبات القلبية. 

رزق الله -تعالى- كل منا هبات تميزه ووضع في كل شخص حكمة أحيانًا يَصعبُ على عقولنا أن تدركها بجوانبها المُحكمة، فدائمًا يضعنا الله في مكاننا الصحيح، مكاننا الذي يُسعدنا، أمرنا الله أن نأخذ بالأسباب وأن نضع فيه ثقتنا وعلى قدر ثقتنا نُرزق، فالتوتر القاتل ماهو إلا انعدام ثقة بمن خلقلك بكل تلك الدقة ودبّر لك أمروك ويسّر لك حياتك بكل مافيها، أحسن فهم توترك ولا تجعله يقتلك، اجعله دافعك فقط، ودائمًا ثق بالله أنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

كتابة: آلاء بقوش.
-المراجع: BBC News,  Web teb.