أوجاع خفية

بكل ما تعنيه تلك الكلمة، معظم الوجوه التي اعتدت رؤيتها تبدو غريبة رغم أُلفتها، تبدأ طموحك وأحلامك تدريجيًا بالانزلاق من بين أصابع يديك كما تنزلق أسنان المشط؛ ولكنك يا صديقي اعتدت القوة



“أوجاع خفية”
أحيانًا تشعر وكأنك تورطت في حياة كنت تتمنى أفضل منها، حياة كنت تدعو الله دومًا ألا تعيشها، شعور بالفقدان يُلاحقك، كل شيء حولك يصبح غريبًا، بكل ما تعنيه تلك الكلمة، معظم الوجوه التي اعتدت رؤيتها تبدو غريبة رغم أُلفتها، تبدأ طموحك وأحلامك تدريجيًا بالانزلاق من بين أصابع يديك كما تنزلق أسنان المشط؛ ولكنك يا صديقي اعتدت القوة، اعتدت اعتناق السلام رغم قيام الحروب بتفتيت محيطك الداخلي إلى أشلاء يستصعب تجميعها، دائمًا ما تميل للتظاهر بالصمود، مع انسدال ستار الابتسامة التي تخفي ورائها الكثير والكثير من الأوجاع، وحدها تنهيدات اليأس التي تجتاحك ما بين حين وآخر تفضحك، وحدها التي تسبر أغوارك، وتكشف عن جوارحك؛ ولكن سرعان ما تستجمع قواك عندما يغزوك يقين من الرب، وتكرار صدى آياته مع قوله تعالى: “وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا”، فتصمد لتواجه، وسرعان ما تطيح بك كلماتهم التي تُشبه الخناجر أرضًا، وكلما كنت تداوي؛ كلما حثوا أن تكون أكثر عمقًا لتتخلل جميع أجزاء جسدك، وربوع قلبك، فيتوطنه حزن يجيد الفتك بملامحك فتغزوها طفرة من الشيخوخة، ثم يقولون عنك بائس، ويائس، وعابس! فتسكن غرفتك، ويجيد عناقك اكتئاب عميق؛ ولكن أبدًا لا يكمن الحل في هذا!

مررت بكل هذا يا رفيقي، كنت دائمًا أحمل إكليل أحلامي، ولا تسلني لما الصيغة الماضية؟ حقًا لا أدري لما اعتنقتها، ربما لأنه شاخت أحلامي فلم تعد بقادرة على صعود سلم الواقع، أو ربما لأنني ارتكبت نفس خطأك فاكترثت كثيرًا لنظراتهم وأحاديثهم، فكانت تُجيد مبارزتي فتسحقني دون رحمة، استمر الأمر معي إلى ما يقرب من عام، عامٌ مليء بالضباب، فأصبحت أراه عامًا مُسطرًا بالحزن، ومُخيَّم بالهزيمة.

كانت حياة أشبه “بحياة سجين” يعلمُ جيدًا بشأن حكمه المؤجل فأخذ ينتظر صدور لفظ القاضي عاجلًا بالإعدام، ولكن سرعان ما نظرت لما أنا عليه، فقررت الاستئناف على أمل بصيص وهو البراءة، وليس البراءة الكاملة من تلك الجريمة “الواقع”؛ ولكن أمسيت أتمنى فقط البراءة فقط من أقوالهم، قررت أن اعتنقها وإن لم أنالها، فعاد نبض القلب والعقل من جديد.

في الحقيقة أستطيع السماع جيدًا لذاك الأنين الذي يتلوى، ويتألم من قول عتيه؛ ولكن رفقًا بقلبك فقولهم لن يُجيد، هذا ما يحترفونه فقط الحديث، عليك أن تجعل من ضجيج كماتهم سببًا لتحيا من جديد، واحذر أن يحتضنك هذا الصمت اللعين، فتنضم إلى هؤلاء الذين تشنع حروب بداخلهم ولا يظهر عليهم سوى السلام.
تحرر وإياك أن تنتظر إلى أن تكتشف مؤخرًا أنك أحرقت حديقه كاملة؛ لتتجنب أذية زهرة كُتب عليها أن تُحمَّل بالشوك!
فهؤلاء هم البشر يا رفيقي، أحدهم يُهديك مسك، وأحدهم يميل للرحيق، وأحدهم يغزو غصنه الشوك، لا يبث ولا يُشارك إلا فيأذية النفوس؛ ولكن رفقًا وسلامًا على قلبك، وتذكر دائمًا قوله تعالى: “ولقد نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98)”

كتابة: ولاء عبد الرحمن.