“بين دواوين محمود درويش وريشة مجد كردية”

أنوح على غربتي، أنوح على وطني، على أرض القصب التي قطعت منها، حكاية الناي الحزين



“بين دواوين محمود درويش وريشة مجد كردية”

-1-

مقدمة

 في بادئ ذي بدءٍ أَودّ الإشارة إلى أنه من المفترض والنمطيّ أن تجري المقالة على أسهمٍ ونقاطٍ معينة، إذ إنها تأبينٌ وإحياء أيضاً  لشاعر كان ولازال اكتشافا عظيماً وملهماً بالنسبة إليّ؛ البديهيّ أن أذكُر تاريخَيّ ميلاده ووفاته وأجيب على تساؤلات – كليشيه- ك: أين عاش؟ وكيف انتهت حياته؟ وصُمَّ صدى آخر حرف من كلماته، أعتقد أن تلك العملية الغير معقدة إطلاقاً لن تأخذ من وقتك أكثر من دقيقة عبر مستطيلك المفضل في جوجل. 

لكنني سأعتبرها مقالة شخصية لشاعرٍ زوَّد روحي ووجداني بالحب، ونقش في ذاكرتي أجمل وأعمق المعاني والكلمات، وانتقل بإبداعه إلى فضاء العالمية، حيث تُرجمت أعماله لأكثر من لغة، مجَسِّداً ذاك المبدأ البسيط والبليغ وهو: “لكي تكون عالمياً يجب أن ترسخ قدمك في بلاد الوطن” وكان هذا محمود درويش منذ البداية، دمُه معجونٌ بتراب فِلَسطين، كلماته تمثل أثراً كبيراً في حياتي وحياة الكثيرين؛ تماماً كأثر الفراشة على حد قوله؛ لايُرى ولا يزول. *(١)

كلنا تعلمنا أبيات الشعر في الصفوف الدراسية المتقدمة من حياتنا، الشعر العربي الجاهلي غالبا، وأشعار المتنبي والإمام الشافعي مروراً بأحمد شوقي وغيره من الشعراء الذين ينظمون الشعر ذو الوزن والقافية، إذ أن البيت ينقسم إلى شطرين على بحر معين من بحور الشعر العربي.

أعتقد أن الشعر العربي عامة بجميع مراحله المتقدمة خصوصا، من أعظم ما قدمه العرب للتراث العالمي؛ وأؤمن بشكل خاص بأن درويش هو شاعر الأمة في ما بعد الحداثة لأكثر من سبب وسبب.

-٢-

سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا

 

وبما أننا “نحكي الحكايات لكي نحيا” سأحكي حكاية:-

كنت جالساً في مقهيً شعبيٍ – كما يطلقون عليه- أجلس على كرسيٍ مهترئ، وأمامي كوبٌ من الشاي، وزجاجة مياه أعتقد أنها من ١٠٠ سنة، وكان معي ديوان درويش أعاره صديق لي، ولم أكن – وقتها- قد قرأت له شيئا؛ فشربت قهوتي وفتحت الكتاب أتصفحه. 

أتذكر أول قصيدة قرأتها لدرويش وكانت بعنوان “سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا” فاستخففت بالعنوان، وما لبثت أن تذكرت أنني أيضا أشرب القهوة في الكافتيريا، ولكن أهذا هو عنوان القصيدة؟! حقيقةً استخخففتُ واستهزأتُ بالعنوان إلى حدٍ ما، ولكن قلت في نفسي لا مانع من أن أَمُرّ على أبياتها سريعاً، فقط من بابِ الفضول وها هنا كانت الكارثة. 

كانت القصيدة تبدأ بهذا النص:-

“يجيئون… 

أبوابنا البحرُ، فاجأنا مطرُ..

لا إله سوي الله. 

فاجأنا مطرٌ ورَصاص…

هنا الأرض سجادة… والحقائب غربة” 

ذهلت لعدة ثواني، بالنسبة إلي كان وَقْع اللغةِ غريباً وغير نمطيّ ومدهشا حد الذهول؛ وجميل جدا. 

معَ أنني وقتها لم أفهم تماماً على مستوى الإدراك ما يعنيه بكلماته وقتها. 

ومن هنا بدأت أنقب عن شعر درويش، ثم عن درويش نفسه، وأخيراً عن القصيدة التي بين أيدينا. 

قصيدة” سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا”.

القصيدة تحكي عن سرحان بِشارة، وهو مِمَّن اتهموا في قضية القرن باغتيال جون كينييدي، والمفارقة العجيبة أن القضية انتهت بقتل أكثر من عشر أشخاص تبين فيما بعد أنهم ليسوا هم القاتلون لجون كينيدي ولا تزال هذه القضية من أغرب القضايا إلى الآن، سرحان بشارة كان ممن اتهموا وقتلوا في تلك القضية؛ فكتب درويش بعدها هذه القصيدة. 

في هذا الخِضَمّ قال محمود درويش شعره، وفي هذا الزمن العربي الردئ تعرفت على شعره من خلال هذه القصيدة المدهشة من بدايتها من حيث اللغة والصورة الشعرية حيث يقول:

 “أبوابنا البحر… فاجأنا مطر ورصاص” هذه جمل بلا شك تسحبك للتأمل اللغوي والشعري. 

ثم يقول “الأرض سجادة” أي: للتعبد إشارة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  “جُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا وَطَهُورًا”. 

ثم يكمل درويش بقوله “والحقائب غربة” الحقائب ليست للسفريات وإنما رمز وكناية عن الغربة. 

ثم يقول في آخر القصيدة:- “وما القدسُ والمدن الضائعة سوى ناقةٍ تمتطيها البداوة سعياً للسلطة الجائعة… 

وما القدس والمدن الضائعة إلا مبنيً ومستودع للكآبة”

إلى أن يختتم القصيدة بقوله: “ويسكتُ سرحان… 

يشربُ قهوته ويضيع.. 

يرسم خارطةً لا حدود لها ويقيس الحقول بأغلاله… هل قَتلت؟ ويسكت سرحان؛ ثم تهربُ ذاكرةٌ من ملفِ الجريمة… تهرب، تأخذُ مِنقارطائرٍ وتزرع قطرةَ دمٍ بمرج ابن عامر” 

ويقول أيضا في نفس القصيدة: 

“أبوك احتمي بالنصوص

وجاء اللصوص” 

وهو ما أدخله في مأزقٍ مع الإسلاميين؛ لأنه يقصد بلفظ النصوص: القرآن، وجاء اللصوص: أي فقتلوك،عندما قرأت هذا للنص لأول مرة لفت انتباهي لكنني لم أفهمه تماما؛ شعر درويش ملئٌ بالمجاز وأعتقد أن هذا ما لفت انتباهي إلى شعره، ولكن درويش ينفي هذا حيث قال في مقابلة له: “من خلال تعامل الناس مع كتبي وأمسياتي، لا أشعر أن هناك مشكلة تفاهم بين قصيدتي التي يقال عنها غامضة وبين تفاعل الناس معها؛ أنا أدَّعي أن شعري واضحٌ جداً لأنه يصور واقعًا مرئياً ومفضوحاً، وقصيدتي أنا أعتبر أنها قصيدة فاضحة”. 

في الأخير، كانت هذه القصيدة، قصيدة”سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا” هي سُلَّم عبوري إلى دواوين درويش بيتا تلو الآخر لأتجرعه كأساً تلو الآخر. 

-3-

أتصفح آخر الأخبار في يوم ما لأجد لوحة لمجد كردية قد تملكتني وكانت لوحة بسيطة جدا تمثل نصا حيا من نصوص درويش اللطيفة، وبعد بحث أكثر ومتابعة لمجد كردية بشكل يومي، أعتقد أن إشعار هاتفي بلوحة جديدة لمجد يضيف بشكل ما عددا غير محددٍ من الفلوكستين لأجاهد به ما يمر به يومي، أتجرع جرعات صغيرة من الجمال لأرمم به ما يجري في حياتي. 

اللوحات بسيطة جدا أبسط مما تتخيل ولكنها حية جدا وتنبض إيقاعا بسبب النصوص التي يختارها لتمثلها اللوحة؛ ابتداءا من نصوص درويش ومرورا بكلمات عبدالوهاب وبيرم التونسي ونزار قباني وانتقالا إلى الشعر الجاهلي مثل أشعار المتنبي وأبو نواس وغيره؛ مجد يضيف الحياة إلى النصوص بل ويعيد إحيائها بشكل غير قابل إلا لأن تتلبسك بإحساس الجمال والاعحاب باللوحة قبل اختيار النص. 

 

“اللوحات هي ذكرياتي بالنهاية، مثل مذكراتي الشخصية بالحب، بالحزن، بالأمل، باليأس؛ لما تربط اللوحة بشرايين الفنان تنبض بنبضه، وتصير تعبر عن الإنسان الحقيقي اللي جواه، ما بتكون اللوحة صناعة؛ اللوحة هي الحياة” – مجد كردية

-٤-

بين الشعر والفن كوجهين لعملة واحدةالفن في جوهره لو أردنا أن نكشفه بجملة واحدة لقلنا إنه: محاولة الماوراء أو محاولة التطلع إلى الما وراء باستمرار؛ ولكن لماذا؟!

منذ البدايات الأولى حيث كان الفن ربيب الدين، كان ولا زال الإنسان نفسه ينتمي بجزئه الجوهري والروحي إلى عالم آخر، إلى عالم الما وراء، وكما يقال دائما نحن نحن غرباء في هذا الوجود، بعيدا عن غربة ماركس وغربة هيجل، في حالة اغتراب حفيفة يشعر بها كإنسان، وأحيانا هذه الغربة تتعبه وتؤوله وتطحنه وهو لا يعرف سرَّ هذه المعاناة التي  تتعبه. 

الفن – من شعر ورسم وغيره- جهة خلافاً للعلم، وخلافا للفلسفة، وخلافا لكل المقاربات الحسية في العالم، خلقت لكي تكون الأكثر وفاءاً للروح الإنسانية، ليشتغل بما يمكن أن يهدئ وأن يشبع أشواق هذه الروح، كما قلت جاء لكي يكون يكون محاولة إلى أو تَطلُّعا إلى الماوراء؛ حين تسمع نغمة جميلة أو ترى شيئا جميلا تتلبسك إحساسات أو مشاعر في كل الأحيان لا يمكن التعبير عنها بشكل دقيق، وأنت لا تعرف ما السر؟ 

ظللنا كبشر نخضع باستمرار أمام الصوت الجميل أمام اللحن أمام النغم أمام الجمال؛ وسر تأثرنا بالمجاز أننا نحاول دائما التطلع إلى المجهول، أن تتعاطى معه. 

أتعرف ما هو أكثر ما حظيَ باهتمام البشر أفرادا وجماعات؟ 

الدراما الشديدة؛ الدراما وخصوصا الجانب الكَلِمي، وهذا لا يتم ولا يتبرر فلسفياً إلا إذا افترضنا أن الإنسان ليس ابن الطبيعة؛ الإنسان مغترب عن الطبيعة، ضيفٌ على مائدة الكون أو الوجود؛ قبل أن الإنسان مذ فارق موطنه الأول الجنة، مذ فارقها لم يفارقه حزنه وأختم بكلمات أرسطو:

“أنوح على غربتي، أنوح على وطني، على أرض القصب التي قطعت منها، حكاية الناي الحزين” 

  1. وهذا هو الإنسان ينوح كما ننوح على أنفسنا، نحن سرب العدو، وكائنات مغتربة، لذلك هذا الحزن النبيل هو الذي يذكرنا بضعف الإنسان، ومأساة الإنسان، وامتحانات وابتلاءات الإنسان، بل وأحيانا يذكرنا بالإنسان نفسه. 

-5-

خاتمة

أختمُ بأحبِ قصائد درويش لقلبي:-

-لا أعرفُ اسمكِ

=سَمِّني ما شئت

-لستِ غزالةً

=كلا ولا فرساً

-ولستِ حمامةَ المَنفى

=ولا حورية

-أنتِ؟ ما اسمكِ؟

=سمِّني، لأكونَ ما سميتني

-لا أستطيع، لأنني ريح

وأنت غريبة مثلي، وللأسماء أرض ما

= إذن، أنا «لا أحد». لا أعرف اسمك، ما اسمك؟

– اختاري من الأسماء أقربها

إلى النسيان.

= لا استطيع لأنني امرأة مسافرةٌ

على ريحْ. وأنت مسافرٌ مثلي،

وللأسماءِ عائلةٌ وبيتٌ واضح

-فإذن، أنا «لا شيء»…

قالت «لا أحد»:

سأعبئ اسمك شهوة. جسدي

يلمك من جهاتك كلها. جسدي

يضمك من جهاتي كلها، لتكون شيئا ما

ونمضي باحثين عن الحياة…

فقال «لا شيء»: الحياة جميلة

معكِ… الحياة جميلة

أعدي لي الأرض كي أستريح… فإني أحبك حتى التعب.

 

  • تنويه: وجب التنبيه أن من الخطأ أن نختزل الفن في ممارسات جزئية لا تعبر عنه إطلاقا. 
  • *(١): للاطلاع على قصيدة أثر الفراشة:https://www.aldiwan.net/poem9657.html
  • لسماع القصيدة بصوت الراحلة الفلسطينية ريم البنا:https://youtu.be/jv8F8NoGbLI 

بقلم/ أحمد رضا.