“عالم الوحدة”

أبدأ في البحث من هذه اللحظة عن العالم الخاص بك، لأن العالم الافتراضي قارب على وصوله للهاوية، هاوية العقول والأفكار، لأنه إذا لم تحاول فاسمح لي أن اعتبرك ممن هم بلا هوية، كأنك



في بعض الأحيان تأتينا الكثير من الأفكار نغوص فيها كالمعتاد يكون أغلبها تساؤلات، ولكن ما يأتيني من تساؤلات يمكن اعتباره غريب بعض الشيء، ولا تجد الكثير من الممكن أن تمر على ذهنهم، لذا دعنا نناقشها سويًا علنًا لنجد لها سببًا منطقيًا حيال وجودها، فلتبدأ المناقشة وأنصت إلي جيدًا.
لماذا كل هذا الأحساس بالتيه كأني صغير القط الذي تركته أمه بعد مولده! أشعر من وقت لآخر بانعدام رغبتي بفعل أي شيء، حتى الأشخاص ما عدت أريد أن أقابل أحدًا، وحين أود الخروج أشعر بأني مقيد بسلاسل الاضطرار لمقابلة أشخاص أعرفهم، وهذا ما لا أود حدوثه.
أترك جسدي يرتخي في عالم لا وجود له في البدء، عالم من نسج الخيال، عالم أشعر بأنه بيتي الثاني، أو كما أحب أن أطلق عليه “عالم الوحدة”. أن تكون وحيدًا ليس معناه كونك مصاب بالتوحد -صفة وليس شخصًا- وليس بالشيء السيئ كونك وحيدًا؛ لأنه في بعض الأحيان يعتقده البعض بداية الاكتئاب وهناك فرق شاسع بين هذا وذاك؛ لأنه وبالرغم من كونك وحيدًا يمكنك أيضًا أن تكون اجتماعيًا. أراك الآن مشوشًا بعض الشيء، لكن دعنى أكمل حديثي حتى تتفهم ما أود أن أقوله، أحيانًا يكون العالم الذي أتحدث عنه أفضل من أي عالم آخر، كأنه بُعد كوني زمني موازٍ لهذا الزمان، مع اختلاف بعض التفاصيل الدقيقة الآتي ذكرها فيما بعد، قد يعتقد البعض ويؤمن جزء آخر أن عالمنا المحيط الذي نستقر فيه عالم مليء بالاهتمام والأصدقاء، لكن إذا أمعنوا النظر جيدًا كما فعلت فسوف يتفاجئون أن كل هذا ما هو إلا عالمًا وهميًا، عالم كثر فيه الزيف في كل الجوانب وأصبح يفتقد إلى الروح كأنه أمسى جمادًا لا تدب فيه الحياة، لكن عالم الوحدة رغم كونه من وحي الخيال قليلًا، إلا أنه على وشك أن يصبح واقعًا نعيشه ونتعايشه فيما بيننا، عالم تستطيع فعل ما بدا لك داخله، لا قيود تذكر كالعالم الافتراضي الذي أضحينا نهلك طاقتنا فيه على غير فائدة، القيود الوحيدة المتواجدة به هي تلك القيود الأخلاقية، التي وبكل تلقائية نتجنب فعل أشياء تربينا ونضجنا على عدم فعلها كونها خطأ أخلاقي له تبعات وأضرار كثيرة عند فعله، وكلنا نعلم ذلك تمام اليقين.
عالم الوحدة هو أن تكون وكأنك تملك الكون كله بين يديك فعليًا كما يقول بعض الكتاب في رواياتهم، وقد تعتقد أنه مجرد وهم خلق في البداية، لكن بعد ذلك تتبين من شدة الدهشة أن ما هو وهمي يتحول إلى حقيقة في بعد آخر يسكن البعد الزمني الذي تعيشه.
لذا من الممكن أن يوجد عالم يتحول فيه الوهم إلى واقع، عالم تستطيع الهروب من كل ما هو مزيف حولك، عالم تشعر فيه كأنك طائر حر يسافر عبر الأقطار والبلاد، فأي عالم ستفضل الاتجاه إليه أيها الطائر؟

والآن أتوقع ردك السريع عليه أنه يعتبر عالم مليء بالكتمان والصمت المريب، عالم كله ظلام دامس كأنك داخل كهف من العصور القديمة، لكن دعني أصحح ظنك ذاك بأنه عالم مليء بالحديث المتواصل الممتع الغير محدود، يمكنك فيه التحدث إلى أي شخص كان سواء كنت تعرفه أو أصبح جديدًا وعرفته، أو تعلم؟ يمكنك حتى التحدث إلى أحد في حال عدم وجود أشخاص، كأنك تحدث روحك ولكن هناك طرف ثالث في الحديث يجعله بعض المنضمين حديثًا إلى ذلك العالم، أحدهم هي الرياح، تشعر وكأنك تحدث نفسك لكن الرياح تستمع لك وكلها آذان صاغية منصتة عن ظهر قلب.

والآن بعد أن أوضحت لك بعض الصور التي يمكن عرضها عن عالم الوحدة أما زلت تعتبره عالمًا وهميًا ليس جديرًا بالثقة؟ ألا تشعر بالفضول يتملكك في بعض الأحيان تريد أن تتوغل داخله وتعرف ماهية، ومن يعلم! لربما من الممكن أن يكون هو العالم الذي أمضيت وقتًا طويلًا من حياتك جاهدًا في محاولة البحث عنه والوصول إليه! أنا فقط جل ما أطلبه منك أن تترك فرصة لذلك العالم أن يكون جزءًا من عالمك، وإذا لم يرتقي إلى مستوى حياتك وشخصيتك يمكنك وبكل سهولة العودة أدراجك؛ لأنه عالم مفتوحة أبوابه على مصرعيها بالكامل.

أبدأ في البحث من هذه اللحظة عن العالم الخاص بك، لأن العالم الافتراضي قارب على وصوله للهاوية، هاوية العقول والأفكار، لأنه إذا لم تحاول فاسمح لي أن اعتبرك ممن هم بلا هوية، كأنك هارب بلا وطن تستطيع الانتماء إليه، أسمعك تقول “بلا هويه! كيف؟
كيف وأنت من تعتبر عالمًا لا وجود له حقيقيًا!”
قد تكون على حق بعض الشيء، دعني اوضح لك أكثر ما أشعر به حيال وجودي في العالم الجديد، في عالم الوحدة أشعر كأني أستطيع أن أملك كل شيء وقعت عليه عيني، أفعل ما يحلو لي، أحدث أي شخص أريد وأتجول في أي بقعة على وجه الأرض كأني مسافر لا يعترف بالخطوط الوهمية الموجودة على الخرائط المسماة بالحدود، مسافر لا يصعب عليه الوصول إلى أي مكان.

أنا أعلم أن هذا قد يربكك أكثر مما سبق، ولكن دعني أوضح أكثر، عالم الوحدة ليس معناه أن تكون منفصلًا عن كل ما هو متعلق بالحياة ولا يمت أيضًا للاكتئاب بأي صلة كما ذكرت سابقًا، ولكن مغزى وجوده أن تكون بعيدًا عن كل ما تألفه، تخوض أشياءًا وتجارب جديدة، مغامرات حياتية لا حدود لها.

أن تفعل هذا وتخوض تلك التجارب وحيدًا ولا تجد شخصًا يؤثر عليك بقرار لا تريده، يترك لك الفرصة في أن تتأمل في كل موقف يصادفك وتتعلم منه درسًا تستعمله في العالم الذي نعتقده واقعي، خبرات جمة تكون كالدرع الذي يدافع عنك ضد زيف وخدع العالم المحيط بنا.

عالم الوحدة باختصار يعد عالمًا مليء بالغموض والأسرار يحتاج الخوض فيه لاستيعابه، فهو أيضًا مليء بشعور الفضول وحب الاستطلاع، يساعدك في التوغل فيه ومد يد المساعدة لك كأنه رفيق الدرب، عالم لا يحتاج إلى تأشيرة سفر للتوجه إلى أراضيه، عالم يحتويك إذا وجدت نفسك منبوذًا في العالم الأساسي تجده الملاذ الأخير الوحيد لك، يستقبلك بصدر رحب عندما يتخلى عنك العالم الافتراضي، والآن بعد أن أعطيتك كل ما يفترض أن تعرفه فقط عن عالم الوحدة وتفاصيل بسيطة عن تجربتي داخله، ما هو قرارك؟ أتود نقر أبوابه والدخول بدافع الفضول علك تجد فيه ما تبحث عنه، أو تود نقر أبواب عالم آخر عثرت على طريقه قبل أي شخص، لكن أيًا كان قرارك فالأهم هو أن تعثر على عالم آخر خاص بك تخزن في طاقتك وتخرجها وقت اللزوم؛ لأن العالم الحالي أصبح أناني يستعيد من الجميع ما أعطاه لهم عند مولدهم، وأيضًا يستنفد طاقتهم وكل ما هو ملكهم حتى هويتهم، لذا عليك بالإسراع حتى لا تصبح تحت سيطرته ويكون قد فات الآوان.
بقلم/ مصطفي قاسم.