“اليوم العالمى لمكافحة المخدرات”

هذا الأمل يحتاج إلى دعم مجتمعي وحكومي للقضاء على بؤرة ظلام مازالت مسيطرة على المجتمع المصرى



بسم الله الرحمن الرحيم

“يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”.

المخدرات وهي كل ما يسلب الروح ويغيب العقل ويعطي نشوة تتيح للشخص الهروب من عالمهُ ومشاكلهُ، وقد حرمها الله تعالي لما لها من سلب العقل من أضرار على الفرد والمجتمع، فعندما يتناول الإنسان المخدرات أو المسكرات بأنواعها؛ يصاب بالتوهان عن ما حوله فلا تصح له عبادة ولا تؤمن شروره وما يمكنه أن يفعل في هذه الحالة ناهيك عن قدرته على إيذاء من حوله، كما أن تحول الشخص من مرحلة التعاطي إلي مرحلة الإدمان تكون هي الهاوية وبداية النهاية، وكم تعددت الحالات والأمثلة على ذلك.

يرجع تاريخ اليوم العالمي لمكافحة إدمان المخدرات إلي حروب الأفيون، والتي تضمنت حرب الأفيون الأولي في الصين وكانت سلسلة من الاشتباكات العسكرية حدثت بين بريطانيا العظمي وسلالة “تشينغ” الصينية الحاكمة، أتخذ المسؤولون الصينيون إجراءات صارمة تجاه تجارة الأفيون، وهددوا من يخالفها بعقوبة الإعدام؛ مما تسبب في خسائر فادحة للحكومة البريطانية حيث كان البريطانيون أبرز موردي الأفيون المخدر للصين، وبما أنهم كانوا أقوى بكثير من الناحية العسكرية فقد ألحقوا الهزيمة بالصينيين، وفرضوا عقوبات منحت الدول الكبرى الغربية امتيازات تجارية خاصة في الصين، ثم حرب الأفيون الثانية وهي حرب بين الامبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية على سلالة “تشينغ” الصينية، من(1856) حتى (1860)، وكانت لها نفس دوافع حرب الأفيون الأولى. وحُورب فيها بشأن القضايا المتعلقة بتصدير الأفيون إلى الصين، ونتج عنها هزيمة ثانية لسلالة “تشينغ” وأدت اتفاقيات معاهدة بكين إلى التنازل عن شبه جزيرة كولون لتصبح جزءًا من “هونج كونج”، واستمر هذا الداء مستشريًا في الصين حتى مطلع القرن العشرين، حتى قضي على تعاطيه نهائيًا في عهد (ماوتسي تونغ) القيادي الصيني الشيوعي، وقد وكان تفكيك تجارة الأفيون في “هومين تاون و غوانغدونغ” حدثًا غير الكثير بالعالم أجمع، وتم رفع قرار الاحتفال بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر بتاريخ (7) ديسمبر عام (1987)، ومنذ عام (1988) يتم الاحتفال في يوم (26) يونيو من كل عام باليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالمخدرات.

 

تتوافر بالأسواق مئات الأنواع من هذه المخدرات المعروفة لنا، وتشمل هذه الأنواع المخدرات التي تعمل كـ مهدئات وغيرها ك منشطات وغيرها مهلوسات (رحلات الأوهام) أو تكون كمثيرات جنسية (منشطات جنسية)

بعض هذه المخدرات عشبي و مستخلص من النباتات، وبعض آخر الإنسان صنعه من مواد كيماوية (تخليقي)، ومعظهما عبارة عن مزيج من المنتجات العشبية والمنتجات التخليقية.

إن كل هذه المخدرات ذات تأثير نفسي، أي أنها تغير طريقة التفكير، والحالة المزاجية، والتصرفات، كما أنها تنطوي على خطر الإدمان.

وهناك مخدرات غير صالحة للاستعمال الآدمي، ولكن يتحايل بائعوا هذه المخدرات ومورِّدوها على القانون حتى يتفادوا المسؤولية عن أي آثار سلبية أو مخاطر. ولبعض هذه المخدرات استخدامات مشروعة في مجال الصناعة ورعاية الحيوان.

لم يجرب أي من هذه المخدرات على الإنسان لمعرفة مدى سلامته، وغير معروف حتى الآن الآثار متوسطة أو طويلة المدى لاستعمال هذه المخدرات، فقد تكون لبعضها أو لجميعها آثار جانبية خطيرة، بعضها قد يصيب الإنسان بالتشوش ومن ثم، فإنه يكون أكثر عرضة للحوادث أو للمخاطر الجسيمة،قد تسبب قلقًا أو نوبات فزع أو جنون العظمة أو حتى الإصابة بالأمراض الذهانية

كثير من هذه المخدرات تندرج ضمن المنشطات (المنبهات) التي قد تصيب بالأرق، مما يعرض الإنسان للإجهاد والاكتئاب في مرحلة لاحقة.

قد تكون لهذه المخدرات آثار سلبية على الصحة العقلية فكثيرًا ما يقول الناس إنهم يشعرون بالتشوش الذهني بعد تعاطي هذه المخدرات، قد تكون سامة.

 

وتُعتبر للمواد المخدرة أهمية طبية نذكر منها الأفيون والذي يعد أحد أهم المواد التي كَثر انتشارها في الفترة الأخيرة في عالم الطب والأدوية، حيث أن هذه المادة هى أحد أهم المسكنات التي تستخدم في العديد من الحالات، وأثبتت العديد من الأبحاث والدراسات أنه فعال في معالجة الآلام، ولكن هو سلاح يمكن اعتباره بأنه ذو حدين، ففضلًا عن استخدامه لتسكين الآلام، إلا أنه انتشر في الفترة الأخيرة بأنه أحد المواد المخدرة القاتلة، بمعنى أصح من الممكن استخدامه كعلاج يسهم في التخفيف عن المرضى، وفي نفس الوقت هو  أداة مميتة لكل من يتعاطاها بالشكل العادي والتقليدي ودون استشارة طبيب.

 

وأيضًا مثل عقار الميثامفيتامين (المتداول باسم كريستال ميث) في نهاية القرن الـ (19)، وكان يستخدم كعقار طبي حتى سبعينات القرن الماضي إذ أنه مضاد للاكتئاب ومثبط للشهية، ويستخدم “الميثامفيتامين” في بعض الدول إلى يومنا هذا كعلاج لضعف التركيز والنشاط المفرط، ويؤكد الأطباء أن تعاطي كميات قليلة من هذه المادة لا تتلقف خلايا المخ البشري، لكن تعاطي “الكريستال ميث” بكميات كبيرة كمخدر يؤدي إلى النشاط المفرط وفقدان الرغبة في النوم ومن أعراضه أيضًا الرعشة وزيادة ضربات القلب وقد يؤدي إلى السكتات الدماغية. ويمكن أن يؤدي تعاطي “الكريستال ميث” على المدى الطويل إلى تلف في الأعضاء البشرية والخلايا العصبية، وينتشر “الكريستال ميث” كمخدر بين الشباب، ومن مشكلاته الكبرى أنه من يتعاطاه يشعر دائما برغبة في زيادة الجرعة، وبعد فترة من التعاطي يفقد المدمن وزنهُ بشكل كبير وتقع أسنانهُ.

 

يبدأ الإدمان بالتعاطي التجريبي لمخدر على سبيل التسلية في مواقف خاصة ومن أجل بعض الناس، ويصبح تعاطي المخدرات أكثر تكرارًا، بالنسبة إلى آخرين ـ وخاصة مع المواد الأفيونية ـ يبدأ إدمان المخدرات بالتعرف على أدوية بوصفة طبية أو الحصول على أدوية من صديق أو قريب تم وصف الدواء له طبيًا.

يختلف خطر الإدمان وسرعة تحولك لمدمن على حسب العقار، تنطوي بعض العقاقير مثل “المسكنات الأفيونية” على خطر أعلى، وتتسبب في الإدمان بسرعة أكبر من غيرها.

ومع مرور الوقت، قد تحتاج إلى جرعات أكبر من العقار لتصل إلى النشوة، وسرعان ما تحتاج إلى العقار لمجرد أن تشعر بأنك في حالة جيدة، مع زيادة استخدامك للعقار، قد تجد صعوبة متزايدة في الاستمرار بدون العقار، وقد تؤدي محاولات التوقف عن استخدام العقار إلى إحساس قوي بالرغبة فيه وتجعلك مريضًا بدنيًا (أعراض الانسحاب).

ويكون نتيجة هذا الإدمان، وإدمان المخدرات من أخطر المشكلات التي يتعرض لها الفرد و المجتمع، حيث أن أضرار تعاطي المخدرات لا تمس مدمن المخدرات فقط، بل تمتد آثارها لتلحق أضرارًا اجتماعية واقتصادية ونهايتها تكون مؤلمة، أشد الأضرار التي يتعرض لها مدمن المخدرات هو تأثيرها السلبي على صحتهُ وجسمه ومن أبرزها (حدوث اضطرابات في القلب، وارتفاع ضغط الدم الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى حدوث انفجار الشرايين، التعرض لنوبات الصرع إذا توقف الجسم عن تعاطي المخدر فجأة، حدوث التهابات في المخ والتي تؤدي إلى الشعور بالهلوسة وأحيانًا فقدان الذاكرة، تليف الكبد وبالتالي زيادة نسبة السموم في الجسم، اضطرابات الجهاز الهضمي وفقدان الشهية مما يؤدي إلى الهزال والشعور بعد الاتزان، والتأثير السلبي على النشاط الجنسي، وأيضًا ضعف الجهاز المناعي والصداع المزمن، وفي حالة الحمل قد تتعرض المرأة الحامل لحدوث فقر الدم وإجهاض الجنين وقد يمتد الأمر لحدوث عيوبًا خلقية للأجنة).

وقد يؤدى الإفراط في تعاطي المخدرات إلى حدوث أمراضًا نفسية مزمنة واضطرابات عقلية إذا لم يتم تدارك الأمر، مثل: حدوث تغيير في تركيبة المخ بالإضافة إلى حدوث خلل في الطريقة التي يعمل بها، ظهور العديد من السلوكيات السلبية على متعاطي المخدرات ك سرعة الاضطراب والشعور الدائم بالقلق، والسلوك العدواني تجاه الآخرين،وصعوبة التوقف عن إدمان المخدرات بصورة منفردة.

إذا تمادى المدمن في تعاطي المخدرات وامتنع عن العلاج فقد يصل إلى مرحلة اللاعودة، بالإضافة إلى أضرار المخدرات النفسية، هناك العديد من الأضرار الأخرى التي تتعلق بالإدمان على المخدرات، مثل: الأضرار التي قد تصيب المجتمع كحوادث الطرق ولجوء المدمن إلي السرقة وربما إلى القتل أحيانًا، بالإضافة إلى الأذى الذي يلحقه المدمن بنفسه، فقد يصل الأمر أحيانًا إلى إقبال مدمن المخدرات على الانتحار.

 

و حسب أحدث البيانات التي يوفرها مكتب الأمم المتحدة المختص بالعقاقير والجرائم، فإن ألبانيا تصدرت قائمة دول العالم من حيث الاستهلاك، حيث أن (2.5) في المئة من سكانها، الذين تتراوح أعمارهم بين(16) و(64 )عامًا، يتعاطون الكوكايين.

ومن بين الدول العشر الأولى نجد الولايات المتحدة وإسبانيا وأستراليا وهولندا بالإضافة إلى دولتين من أميركا الجنوبية هما “شيلي وأوروغواي”.

وقد يتفاجأ الكثيرون عند معرفة أن كولومبيا تحتل المركز(34) من أصل(115) دولة، بالرغم من أنها بلد ينتج ويوزع الكوكايين، إلا أن(0.7) في المئة فقط من السكان يستهلكون هذه المخدرات، الأرقام والدراسات عن ظاهرة الإدمان فى مصر ترسم صورة سوداء تؤكد أنها تنتشر وبقوة على الرغم من كل الجهود التى تُبذل فى هذا الصدد سواء حكومية أو أهلية، وبشكل شبه يومى تطالعنا الأخبار حول ضبط كميات كبيرة لتهريب المخدرات لمصر هذا بخلاف ما ينجح المهربين فى تهريبة، حتى أنك بالنظرة السطحية تشعر باليأس في القضاء على هذا الوباء الذى يتفشى بين الشباب.

ولكن على أرض الواقع وبين عالم المتعافين تجد حالة أمل تدعوا للتوقف لحظة أمامها، خاصة حين تسمعهم وهم يرددون “أيوه في حاجه اسمها تبطيل”، “إحنا بنزيد وكل يوم بينضم لينا عضو جديد”، “مش هانرجع تانى عشان زعلانين على العمر اللى ضاع”، “إحنا بنسند بعض عشان محدش مننا يقع تانى”.

 

هذا الأمل يحتاج إلى دعم مجتمعي وحكومي للقضاء على بؤرة ظلام مازالت مسيطرة على المجتمع المصرى، وذلك بعد أن أكد الشباب ذو الإرادة على الرفض المجتمعى لفكرة الإدمان، ولفظ كل من له خلفية مع المخدرات، وهذا الرفض الاجتماعى قد يهدد بانتكاسة هؤلاء الشباب الذين نجحوا فى تحقيق المعجزة.

 

لذلك قررت الحكومة منذ عام تقريبًا منح الشباب المتعافي قروضًا صغيرة ك نوع من الحافز لتشجيعه على الاستمرار، وهى خطوة صغيرة ولكنها تحتاج لتشجيع وإلقاء الضوء عليها لتكون بداية طريق، لإعادة إدماج المتعافين في المجتمع مرة أخري، عسي الله أن ينقذ مجتمعنا من المخدرات وكل من يتعامل معها.

 

كتابة: ألاء بقوش، أحمد بدوي.