“أقدارنا بأيدينا”

الأمر لیس متعلق تمام التعلق بالریح ولکنه متعلق بنا نحن، لو فکر کل منا بالآخر وبکیفیة الحفاظ علیه فقد فتح علی قلبه ریح تترقرق منها قطرات السعادة وروح الفرح



عندما یُولدُ الإنسان یستقبل حیاته بصرخة؛ تلك الصرخة التي تساعده علی استنشاق هواء هذا الکون من حوله، طفلنا الصغیر لا يزال لا یعرف للهواء سوی شعور واحد فقط؛ إنه الحیاة، الحیاة فقط، یختنق إن قل الهواء ویشعر بالانتعاش إن زاد.

ولکن کلما کبر الطفل کلما عرف أن للهواء شعور آخر یختلف عن کونه فقط الحیاة، فعندما قابل أول صدیق له فی طفولته کان الهواء من حوله به روح جمیلة تداعبه، وحین ثنی علیه أستاذه للمرة الأولی کانت هناك ریح تأتیه من نافذة فصله شعر فیها الفخر والثقة، حین تحتضنه أمه یشعر أن الهواء فیه أمان یکفیه طیلة حیاته، وحینما یلعب معه أبوه یجد في الریح مرح ممزوج بقوة یجری بعیدًا ویعلم أن أباه سوف یلتقطه قبل أن یقع علی الأرض، وحینما یجلس علی مائدة الطعام مع عائلته، تأتیه الریح بها رسائل حب مکتوبة في السحاب وریحها في زهور الأشجار وضیها علی زجاج الشرفات وتنغیمها صوت العصافیر، ما أجمل الطفولة!

 

ولکن طفلنا سیکبر ویشعر بشعور آخر للهواء یختلف عن تلك المشاعر الجمیلة، حینما وقف وصدیقه یترکه ویرحل ویبتعد عنه؛ شعر بأن الریح موحش وملئ بالوحدة، حینما نشب صراع بین أبیه وأمه کان الریح الذی یأتي من شرفات المنزل مخیف لیس به أمان.

 

حینما استیقظ من النوم وسمع صوت أمه لا تستطیع أن تتنفس، وأخبره والده أنها تعانی من الربو؛ فجأة تسرب ریح من النافذة شعر أنه بارد جدًا وأغلق النافذة مع أن الجو لم یکن بتلك البرودة ولکنه یشعر أن دفء أمه یقل.

 

الوقت یمر والحیاة تأخذ المجری الطبیعي؛ فرحة تارة وتارة أخری ترعبه اللحظات وهکذا یموت في طفلنا الشعور الأولی للهواء، لم یعد الهواء منعشًا کما کان في الماضي، في بعض الأحیان کان یعود إلی بیته یجد أمه قد صنعت له کعکة عید میلاد جمیلة ترسم الفرحة ابتسامة طفولیة فقد عاد طفلنا للشعور القدیم الذي طالما کان یشتاق إلیه وأخبرته أمه أن یذهب ویحضر الهاتف من أمام النافذة لیخبر والده أن یأتي مسرعًا لیحضر عید المیلاد، ذهب لیحضر الهاتف فجأة الریاح تسربت له ووقف للحظة یتذکر ذلك الشعور، شعور ممزوج بالحب.

 

جاء والده واحتفلت العائلة وصعد الفتی إلی حجرته، شعر باشتیاق إلی ریح تغمرها الألفة بینه وبین صدیقه، قرر أن یحادثه، کان للعتاب طعم آخر أول مرة یشعر به، الاعتراف بالاشتیاق مریح لحد کبیر والمریح أکثر أن یبادلك أحدهم هذا الشعور.

 

تُری من المتحکم في مشاعرنا، هل تتغیر الریح من وقت بآخر!

أم هو فقط القدر! الأمر محیر جدًا.

ولکن سمع الفتی أخبار في التلفاز عن فیروس یهدد العالم بأجمعه، کیف یمکن ذلك؟

فیروس لا یُری بالعین المجردة یقدر علی أن یهدد هذا الکون الکبیر! الأمر غریب جدًا، وجدید أیضًا، حینما کان یسمع التعلیمات في مدرسته لم یکن یعي الشعور الحقیقي للخوف من المرض، ولکن بعد فترة کانت صدیقته التي تجلس أمامه بمقعدین تبکي حینما سألها أخبرته أنها خائفة علی والدها المقیم حالیًا في بلد أخری ولا یستطیع العودة لأن البلاد قد أغلقت حدودها وعلقت حرکة الطائرات، ینظر إلیها وهو یشعر بالحزن علی حزنها ولکنه لم یجرب في حیاته ذلك الشعور، القلق علی من أحب، لوهلة أخذ یفکر بالأمر ماذا سیحدث لو أصاب الفیروس أبي أو أمي أو صدیقي! یرتعب لمجرد الفکرة، ترتعش یداه ولا یعي ماذا حدث له، یصاب بالذعر ویشعر بالاختناق ویسرع إلی فتح النافذة وإذا بالریح في وجهه، یشعر شعور مختلف، ما تلك الریح الغریبة!

إحساس غریب جدًا، تُری ماذا کان هذا الإحساس،

هرب الفتی لأمه ویضمها ویخبرها عن خوفه ولکنها تتطمئنه أنها بخیر تمامًا وأن أباه کذلك بخیر وأنها قد أخذت احتیاطها للحفاظ علی العائلة في أمان.

 

بعد أن صدرت قرارات تفید بمنعه هو وذویه من الذهاب إلی المدرسة، استمر وجوده في المنزل ولکنه کان یسأم وحدته ویرید دائمًا الخروج ومقابلة أصدقائه، وکانت أمه تنصحه بضرورة بقائه في المنزل ولکنه لا یمل من التذمر والشکوی من وحدته، وخصوصا أن صدیقه أخبره أنه اشتری لُعبة جدیدة، أخبرته أن الوضع خطر بالخارج ویصعب الخروج لشراء اللعبة؛ ولکنه رمی الطبق الذي کانت أعطته إیاه لیتناول طعامه وغضب بشدة وصعد لحجرته وأغلق الباب بشدة ورائه، فقررت أن تسعده وذهبت إلی إحدی المحلات لشراء الهدیة رغم خوفها الشدید ولکنها کانت تفکر في ابنها وفي سعادته، وحینما أعطتها له شعر بسعادة غامرة وکانت توافقه الریح سعادته.

 

وبعد مرور فترة لیست بقلیلة، یستیقظ علی صوت أصابه بالرعب، اشتدیت أزمة الربو بأمه والفتی یمسك بییدها وهي تختنق، وفور ذهابهم للمستشفی أخبره الطبیب أنها قد انتقلت لها عدوی الفیروس الفظیع وتقریبًا منذ خمسة عشرة یومًا، الیوم الذي ذهبت فیه لإحضار اللعبة، تمر الأیام والأم بالمشفی والفتی ضمیره یجلده جلدًا، لماذا لم یشعر بها وتوقف عن تذمره هذا، حاول أبوه أن یخفف عنه ولکن لم یکن هناك شيء یخفف عنه سوی شفاء أمه، أخبرهم الطبیب خبر مروع وقع وقع الصاعقة علی الصبی أنه بسبب إصابتها بالربو هذا الأمر ساعد الفیروس علی الفتك بها، لقد ماتت.

الصدمة تسیر في دمه، صفعة لم یکن یتوقع أن توقظه بهذا الألم، الجو مخیف، لیلة حالکة السواد، الفتی یشعر بالبرد القارص فقد انطفأ دفء أمه، ویری اللعبة روح شریرة جلبت الموت لبیته، ویبکي بحرارة، لیته کان یحبها ویفکر فیها مثلما کانت تفکر فیه ویمنعها من الخروج لشراء اللعبة، اللوم یعصر قلبه.

وقف قلیلًا في النافذة وإذا بالریح التي آتته المرة الأخیرة ولم یصل لتفسیرها، الآن عرف تفسیرها؛ ریح الموت، الآن عرف للهواء تعریف آخر یختلف تمامًا عن الحیاة، إنه الموت.

شبح الموت یخیم علی کل بیت من حوله، ویدرك الصبي المعنی الحقیقي للألم، الفراق بلا عودة، الموت، الموت.

 

الأمر لیس متعلق تمام التعلق بالریح ولکنه متعلق بنا نحن، لو فکر کل منا بالآخر وبکیفیة الحفاظ علیه فقد فتح علی قلبه ریح تترقرق منها قطرات السعادة وروح الفرح، نعم إننا من نصنع قدرنا وقدر من نحب، لن یکون أبدًا وجودك بجوار من یحبك شيء عادیًا، فإنك تصنع قدره وتأتي الریح من ورائك ترسم له معاني ذلك القدر.

 

-آلاء بكوش.