“بلا هوية”

أهِم لأمسك بقلمي وأزيح عنه الغبار وأجذب إحدى الأوراق الذابلة لأخط أُولى كلماتي عن أحلامي العديدة التي جائتني في الليالي المؤرقة



صدى  معزوفتي المفضلة يتردد بأرجاء الغرفة، وأنا هناك بجوار سريري أهِم لألقي بجسدي المرهق المندي بحبات العرق الباردة، لكني أعدل عن رأيي من اتخاذه مضجعًا، وأتجه إلى الكرسي الوحيد بغرفتي؛ لطالما شكل نغمة شاذة وسط موسيقى كلاسيكية مملة، تجده قابعًا بجوار مكتب عتيق كلاهما مُغطى بالأتربة وبعض الأوراق المتناثرة منذ فترة طويلة وقد استحالت اصفرارًا؛ كرسي من الجلد الفاخر ومكتب ملائم كي يلبي احتياجات أي فتى لمذاكرة دروسه، وممارسة هواياته من القراءة والكتابة، قطعتان اُختيرتا بعناية من قِبل أبي فقد كان شغله الشاغل أن يدعم حلمي في الوصول لكلية الهندسة، كم كانت أحلامي ساذجة!

فما أحببت يومًا القياسات ولا الأرقام بل كنت مجبرًا عليها، لكن حبي للمعرفة والاستطلاع من زرع فيمن حولي فكرة أني سأبلي حسنًا في طريقي نحو الكلية المنشودة، أصبح الجميع فجأة مؤمنًا بتلك الفكرة حتى رسخت في ذهني أن هذا ما أرجوه حقًا. عامٌ تلو الآخر تغيرت اهتماماتي؛ لم أجد بداخلي شغفًا، واهتمامًا خاصًة وأن كل حياتي منحصرة ومنصبة على تعلم شق واحد من العلوم.

أنا أريد المزيد؛ أريد الغوص في علوم الدنيا فلأغرق في بحر العلم ولتنجدني قشًة، في تلك اللحظة ستكون القشة محور حياتي.

حينما التحقت بالمدرسة الابتدائية كنت أتنقل في مراحلي التعليمية بثبات وبخطوات راسخة؛ ولكن كان كلما تردد اسمي عقَّب أحدهم بالسؤال المعهود “أولست شقيق كذا؟” ولا أحصي لهم عددًا سواء كان معلمًا أو مديرًا أو حتى أخصائي المدرسة، ولم يقتصر الأمر عند ذلك فقط بل صاروا يمطروني بوابل من الأسئلة كلما سنحت لأحدهم الفرصة، ومن ضمن إحدى المرات استوقفني أستاذًا ليسألني إذا ما كنت في نفس مقدار ذكائها ونبوغها أم أنها ورثت كل التركة العقلية وما بقى لك من شيء سوى اسميكما المقرونان بالتبعية لأبيك وعائلتك!

 

كانت كلماتهم بمثابة السوط تلهب ظهري جيئًة ورواحًا، كنت أتأفف كلما مررت بموقف مشابه بل بات ذهابي للمدرسة معضلة تؤرقني، صرت أبدي موهبتي في تصنع المرض، وكان قليل من السعال والأنين يدعمان ادعائي ويخلقان مبررًا كافيًا لأمي بأن ترضخ يقينًا لفكرة أن صغيرها قد مرض، فليبق هانئًا في سريره ولا داع لذهابه اليوم إلى المدرسة، حينها كان يخالجني مزيج من الشعور بالغبطة والحزن، فما أن تصدر أمي قرارها بغيابي اليوم عن المدرسة إلا وتنفرج أساريري فها هو يوم لن ألتقي فيه بجلادي المدرسة، ولكن كان ينتابني الحزن فيما بعد لخداعي أمي. فقد استغللت غريزة الحب والحنان المتأصلة بداخلها لتحقيق مبتغاي الشخصي.

تمر الأيام تباعًا وألتحق بالمرحلة الإعدادية ولا أخفي خاطرًا بأني قد انتابني الخوف من أن ألقى ما لقيته من معاملة في المرحلة السابقة، وفي يومي الأول دخلت إلى الفصل منكس الرأس أجر قدماي حتي مقعدي؛ منتظرًا لأن يهل علينا الأساتذة ويبدأوا فقرة التعارف المعتادة، كان يقف أولنا مُدليًا باسمه ثم يجلس ويتبعه من ورائه وهكذا حتى شكلنا موجة عاتية من الرؤوس، كنت كلما اقتربت مني الموجة ازدادت نبضات قلبي اضطرابًا حتى جائتني ضاربًة بتفكيري، وهذياني عرض الحائط. فقد حان ميقات الحسم؛ كانت المرة الأولى التي شعرت بها أني بلا هوية، وأن اسمي لا يمثلني بل صار أكثر إلى منتج مسجل ِباسم “شقيق النابغة”، حتى قررت في تلك اللحظة أني لن أرضخ لذلك الاحتكار لمزيد من الوقت، عبأت رئتاي بكل ما استطعت احتوائه من هواء ورددت اسمي الأول متبعًا إياه باسم جدي الأكبر، فاستنكر الأستاذ بأنه لا يعرف ذاك الاسم، وتابعت الموجة مسيرها من بعدي وأنا ما زلت واقفا أحقًا مر اسمي عليه مرور الكرام!

ثلاثة أعوام وأنا متوج باسمي الجديد، وهويتي المتفردة بذاتها. وفي وقت ما أدار أحدهم ترس الزمان بكامل قوته حتى أني لا أُلقي بالًا لما مر ولا أذكر معظمه، اللهم إلا ومضات قلال، حتى وقتنا هذا وأنا غارق في ذاك الكرسي القابع بغرفتي.

أهِم لأمسك بقلمي وأزيح عنه الغبار وأجذب إحدى الأوراق الذابلة لأخط أُولى كلماتي عن أحلامي العديدة التي جائتني في الليالي المؤرقة، عن صمودي حتى بزوغ الفجر، وعما قررت المُضي به.

 

-أحمد البرم.