“بصمات إيجابية في زمن الجريمة”

فهل الجزاء من جنس العمل؟ هل يتم تطبيق هذه المقولة في واقعنا المؤلم؟ نعم، ولكن نجد لكل قاعدة شواذ



إذا طلبت من صَبي في سن الثانية عَشْر من عُمرِه أن يكمل الآية التالية ” هل جزاء الإحسان إلا …” سيجيبك وبلا تردد “الإحسان”، فقد ذُكر “المُحسِنين” في كتاب الله تعالي فيما يقرب من ثلاثين مرة بداية من سورة (البقرة وحتى المرسلات) بصيغ مُختلفة “إن الله يحب المُحسِنين” “كذلك نجزي المحسنين”، “وسنزيد المحسنين”، وغيرها من الصيغ، فقد كُتب الإحسان على كل شيء، فهل تساءت لماذا اهتم الله تعالى بالإحسان؟ ولماذا أخبرنا -الرسول الكريم- أن الدين “ثلاث مراتب”، أولها الإسلام وآخرها وأسماها الإحسان؟ وقيل عن تعريف الإحسان “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك”.

أصبح من الواضح لديك عزيزي القارئ أهمية الإحسان وأن الله يجزي المُحسِنين كل الإحسان، فهل الجزاء من جنس العمل؟ هل يتم تطبيق هذه المقولة في واقعنا المؤلم؟ نعم، ولكن نجد لكل قاعدة شواذ، وعلى الجانب الآخر نجد مظاهر تكريم الله للإنسان في كل زمان ومكان، برًا وبحرًا أرضا وجوًا قديمًا وحديثًا حيًا كان أم ميتًا “ولقد كرمنا بني آدم وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”، ونرى في واقعنا المعاصر ضحايا “الجيش الأبيض” من الأطباء والممرضين وقد رفعوا إلي الأمجاد السماوية أثناء تأدية عملهم فقد أحسنوا في عملهم؛ وهنا نجد جزاء الإحسان مثل إستقبال أهالي “قرية كفر فيشة بأشمون” الممرض (محمد رجب) بعد تعافية وخروجه من الحجر الصحي؛ والذي كان قد أصيب بفيروس (كورونا) أثناء تأديته لعملهُ، وأيضا في قرية بسيطة “شباس عمير-محافظة كفر الشيخ”، وقد كانت منها أحد شهداء هذا الوباء من الأطباء، وقد اصطف أهل هذه القرية في مشهد حضاري جدًا بعدما وَزعت الصيدليات الكمامات مجانًا لحضور الجنازة التي تقشعر لها الأبدان، فقد أحسنوا لمن أحسن لهم حتى بعد وفاته، ولكن على صعيد آخر وعلى عكس المتوقع يحدث موقف “قرية شبرا البهو محافظة الدقهلية”، الأقرب لوصف الموقف بالجريمة نتيجة الجهل، نتساءل فيما كان يفكر أهل هذه القرية عندما رفضوا دفن هذه الطبيبة الشهيدة بالوباء؟ ماذا كانوا ينتظرون؟ أهكذا يردوا الإحسان! أهذا هو إكرام الميت دفنه! فما كان لنا إلا الإشفاق على هذه القرية الظالم أهلها من هذا الجهل.

وهنا نسأل أنفُسنا هل لخوفنا من الوباء أسباب منطقية؟ هل هلعنا منهُ يقف عائق في طريقنا لاتخاذ التدابير الصحية المنطقية بدل من إضاعة أوقاتنا وهدر طاقتنا في تخيل نهايات وخيمة في حياتنا؟ الإجابة هي (نعم)، فحين يكون الخطر جديد ومبهم ومازلنا عاجزين عن فك شفراتهُ وفهم طبيعتهُ نتيجة نقص المعرفة، يجعلنا نشعر بالعجز عن حماية أنفُسنا ويضاعف من آثار الخوف علينا، فالأزمات بيئة خصبة للشائعات، والعقل الخائف طفل لا يمكن السيطرة على خيالهُ الجامح فهو يصدق أي شيء وكل شيء، لذلك حين تحل علينا أزمة نطوق بفطرتنا للتفسيرات والتحليلات بصرف النظر عن مصدرها؛ لأنها تملأ فراغ السؤال في عقولنا التي تبحث عن إجابة، فنبدأ بتداول الشائعات ونقلها من أسباب محتملة “وكلٌ يغني على ليلاه”، ويحلل وفق أهوائه وطبقًا لمعتقداته، فالبعض يعتقد بأنها نظرية مؤامرة، والبعض يجذُّمْ بأنها خدعة اقتصادية، والبعض يؤمن بأنها عقوبة إلهية، بينما يؤكد البعض الأخر بأنها نهاية العالم، وغيرها من التنبؤات والتفسيرات التي يتداولها البشر مع بذوخ أي أزمة أو  تفشي أي وباء، والتاريخ دائما يعيد نفسهُ.

وأخيرًا لا يمكننا أن نتعامل مع مشاعرنا دون أن نفهمها، ولا نستطيع كبح جماح عواطفنا وانفعالاتنا دون أن ندرج جذورها ومصادرها؛ لذلك يجب ألا يدفعنا خوفنا الأعمي لأن نلقي بعضنا البعض في التهلكة عبر نظريات التخوين، وإلقاء الاتهامات الطائفية والخروج عن قيمنا السمحة وأخلاقنا الإنسانية النبيلة، ستَمُر هذة الأزمة كما مرت الكثير من الأزمات قبلها، وستترك ورائها خسائر وتعلمنا الكثير من الدروس، وتثقل فهمنا للعالم و للطبيعة وللمجتمع الإنساني، لكنٍ الأهم أن نخرج منها بالعبرة التي لا تموت في أي أزمة، و بالدرس الذي لا يصدأ مع أي كارثة أننا معًا بإنسانيتنا وترحمنا وتعاطفنا أقوى، وأننا بعقلانيتنا و رشدنا و كفاحنا أشجع، وأقدر على الإنتصار على الجهل والخوف الذي قد يكون الخصم الأقوي والعدو الألد من أي كارثة ووباء.

بقلم:

أحمد الدسوقي

حبيبة إيهاب