“صبار الحياة”

إنما الصبر من التصبر؛ صَبِر نفسك على ألمك وفقدك وكل أمرك، لتصل للمرحلة التي تتمناها من تحقيق ذاتك



أهي نقطة ضعف؟ ام أنها الجانب المشرق في حياة يملؤها الجفاف؟!

“أينما زرعك الله أزهِر، وما دمنا من تراب كيف لا ينبت الورد منا.”
كما قال مولانا جلال الدين الرومي؛ فمعظم أنواع الصبار تعيش في الظروف والبيئات الصحراوية، لهذا يضرب المثل بهذه النباتات في تحمل العطش والجفاف الذي قد يمتد لسنوات طويلة، وينتج بعضه ثمارًا، وتنمو أزهارًا لبعض أنواعه. يوجد في الصحراء، ويكون هو الأكرم والأجود والأكثر ضيافةً من غيره. يروي ظمأك، ويشبع جوعك، ويسعد قلبك بأزهاره، ويبدو أن البقية من العوام قد أدركوا بالفعل أنه مع تفتح نسائم الربيع -ومن بين كل تلك الأشواك- تتسنى لهم النسائم العطرة، ويبتسم لهم الصبار بزهرٍ مختلفٍ ألوانه؛ ألوانٌ لا تشبه قشرته التي كانت في شيء، ليتحول الجفاف -بالرعاية والوقت- إلى جنة؛ وكأنه هديةٌ من العالَم وبدون مقابل.

كذلك روح الانسان؛ تعيش وتغدو في رحلتها، تعاصر من شتى الأنفس ما قد يسعدها أو يرهقها. نقابل من يتركنا في وحدتنا ليرهق أرواحنا فقد التفاصيل، وبعد المسافات، وأوجاع الروح، ولكن تأكد أن بداخلك ما يشبع رغبات نفسك وغيرك. إن العقبات التي واجهتها والطرقات التي سلكتها واكتشفت -متأخرًا- أنها أبواب مغلقة؛ كل ذلك، وكل تلك المواقف والمشاعر القاسية، وانت الذي واجهتها، هي ما ساهم في تكوين شخصك الحالي. أما عن المعاناة ووجهها الصبر، فهو الصمود الكامل عن الأشياء المرهقة نفسيًا، وتحملها بروح عالية ونفس طيبة، دون إظهار ملامح الاستياء والانفعال على الوجه، بحيث لا تكون مرئية أو محسوسة من قبل الاخرين. حين يدفعك شعورك الداخلي نحو شيء ما يجعلك تركض لتحقيقه، فالدافع هو قوة داخلك تستثير سلوكك وتوجهه، وتحافظ على استمراريته، من أجل تحقيق ما تتمني.
واعلم يا صديقي إنما الصبر من التصبر؛ صَبِر نفسك على ألمك وفقدك وكل أمرك، لتصل للمرحلة التي تتمناها من تحقيق ذاتك، وادفع قلبك وروحك نحو الركض إلى سلامك، وهدوء روعِك. والدافع من وجهة الصبر يشير الى حالة داخلية بك، تدفعك للانتباه إلى مواقفك المؤلمة ومواجهاتك وسقطات نفسك، إلى القيام بنشاط موجه بالهدوء والثبات والسيطرة على النفس، ويستمر ذلك النشاط حتى يتحقق الصبر كهدف للوصول. ينتقل من غاية إلي وسيلة، للوصول لأسمي درجات سلامك الداخلي نحو رحلتك، ويتحقق تعزيز نفسك متمثلًا في رضاك عن كل النتائج، فلا تقلل من أهمية الأشياء التي تتمناها، فقلة صبرك تأتي من رغبتك بتجاوز أمر ما للقيام بآخر. لا تمنح أي شخص أو أي حدث فرصة أن يفقدك توازنك، ولو توجب عليك الهرب وترك ساحة الحدث. الانفعال صديق قلة الصبر، وهما عدواك المتربصان بك دائمًا.
ولتعلم يا صديقي أنه ربما آن الأوان لنقول إن “فاقد الشيء هو أفضل من يعطيه”، لأنه يعرف معنى الحرمان. فقط من يدخل في أعماقك دائمًا هو ما يحوذُ على كل خيرك، وينعم بروحك وطمأنينة قلبك. فلا تُخبئ هلاك روحك بداخلك، فتشعر بأن ما تعرفه ينفصل بحده عما تراه؛ ترى أشياءً لا تعرفها وتعرف أشياءً لا تراها. تُعلمنا أن نستمتع بالتجارب، وحين يهل أفق انسدالها تحزن، ولكن تذكر أن التجارب هذه هي من صنعتك الآن، وأنك ممتن لكل عقبة، وكل تجربة، وكل خطوة في كل طريق سرت به. أنت الآن نتيجة كل هذا. أعتقد إن الامتحان الحقيقي للصبر يأتي حينما تُسلب ارواحنا؛ عندما تقطع سيارة أخرى الطريق أمامنا، أو عندما نُواجه الظلم، فيعتقد البعض أن لهم الحق في أن يغضبوا في وجه المضايقات والتجارب.
ففك الكرب عن نفسك وتحلى بالقوة، لا لأجل أحد إلا لنفسك. أنت الصبار الذي يتحمل العطش في وسط الصحراء، أنت الصبار الذي يجتاز مشقة الطريق وكل طريق، فقط لتلمس منه جانبًا جديدًا في نفسك. أنت لم تخسر شيئًا؛ أنت اكتسبت أجرًا من الله إزاء صبرك على العقبات؛ تغلبت عليها واكتسبت خبرة بالحياة. أنت صبار قوي وحياتك ملحمة، فأتمها بالنصر.

بقلم/ معاذ العبد