“أزياء تنكرية” 

نسمح لعقولنا النيرة بأن تشغل حيزًا من حكمنا على الأشخاص، فكل من يمر بيومك ليس عبارة عن مواقف أو تصرفات فقط بل إشارات جسدية وتعبيرات لا إرادية أيضًا



في يوم من الأيام أستيقظ على زقزقة العصافير وتغريدها وأشعة الشمس المتسللة من شباك غرفتي ليبدأ يوم جديد مليء بالأمل، وحين أخرج من البيت وتنساق قدمي إلى لقاء أول شخص في يومي ليلتقي الوجهان وتتصادم الأعين، فأرى شخصًا يتبسم في وجهي ممطرًا إياي بالترحيب والتحيات، وحين تمهل عينيك لرؤيته، تلحظه بشوش الوجه، فيجول في خاطرك إنما قد استيقظ على التهاني بمولوده الجديد، وحينما أجول بنظري إلى الجانب الآخر من الطريق، فيستقطبني ذلك المشهد الفريد لرجل مهرولًا في مشيته متعجلًا في أمره حتى تخيلته كمن فر من أساور عبوديته، جامد الملامح حتى تجزم أن ما تراه أشبه بإنسان آلي وليس بشرًا عاديًا.

شتان ما تحويه أرصفة الطريق من مشاعر وانطباعات ففي إحدى المشاهد تتجلى مظاهر البهجة والسرور، وفي الآخر تنضح علامات البغض والسخط على كل ما هو موجود.

في لحظات يومي لابد وأن اضغط زر الإيقاف لأمهل عقلي الوقت الكافي لاسترجاع خصائصه الفكرية واستحضار علومهِ حتى أتمكن من رؤية كافة التفاصيل، وهنا لا أجد مفرًا من استرجاع ذكرياتي عما درسته بما يخص لغة الجسد، فالباسم لا تكفيني ابتسامته حتى يمر المشهد من أمامي مرور الكرام، بل ألحظ يده المُحكمة على حقيبته وأظافره المتآكلة وخُطاه المضطربة، وتلك الهالات التي كللت عينيه بالسواد والبريق الذي خبى من عينيه كأنه جسد بلا روح مكلف بالابتسام حتى، وإن ألهبت ظهره سياط الألم والخيبة ليبدي للجميع أن الأمر بخير، فيضحك حتى يلهث ويبتسم حتى تصل ابتسامته لأذنيه، يبدي الفرحة وكأنما قد وجدت تذكرة اليانصيب الرابحة طريقها إليه، وحينما تتفرس في ملامح الشخص الآخر تجده مكفهر الملامح ومبعثر الهندام ملوحًا بيده أمامه، حتى تظنه كمن جنى عليه قومه، فلا هو بمطيق أحدهم ولا بنسمة الهواء المسكينة بأن تعانق وجنتيه، لكن حينما يمحص عقلي التأمل في مفاد تصرفاته أجد شبح ابتسامة تلوح على جانب فاهه وكأن تصرفاته الغير مبررة ما هي إلا تعبيرًا بطريقته الخاصة لإبداء مشاعر الغبطة والسرور.

اضغط زر المتابعة لأني قد تأخرت على عملي، وحين أدخل من الباب تنساب إلي تلك العاملة من وسط الصفوف الحائلة بيننا مرددة تحيتها المعهودة ومسترسلة في إطلاق النكات ومتبعة إياها بالسؤال عن أحوالي الشخصية، فاستطرق في خاطري إلي إيقاني لكم هو محظوظ من لا يلقي بالًا لهموم الدنيا ويسير فيها سير الغيام، وأتابع مسيري حتى مكتبي فإذا بي أسمعها منددة بسوء حالتها المعيشية وأنها لا تستطيع تلبية احتياجات أولادها الدراسية، ينتابني الخجل مما بدر في رأسي منذ قليل وأدلف إلى مكتبي لأجد مديري يُعنف زميلًا لي بلا سبب واضح أو مبرر مقنع، فآثرت التدخل بينهما فكما يشاع عني أني شخص هادئ وغير محب للتدخل فيما لا يعنيني، لكن الأمر وما فيه أني لا أطيق الرذاذ المتطاير من فم أحدهم أثناء صراخه، أكتفي بالإمعان في ملامح مديري وهو يعنفنا تباعًا، واحدًا تلو الآخر، لوهلة أشعر بالظلم والتعنيف بلا سبب، ويشغل خاطري أن القوة دومًا ما ترجح الكفة لإظهار إنسان الغابة النائم كالأطفال الرضّع بداخلنا، وأسترسل بالحديث إلى نفسي بأنه مدير مستبد ومتعجرف، لكني أشفق عليه حينما ألحظ في عينيه حزنًا باديًا، وأستنتج أن صراخه ما هو إلا تنفيسًا عن إحساسه بالضعف والهوان، فما علمته فيما بعد أن المدير يعاني من مشاكل عائلية عدة وأن علاقاته الأسرية مهددة بالانهيار.

في حياتنا اليومية نمر بمواقف عدة، ونأخذ انطباعات أولية عدة بدون التمعن بها أو حتى نسمح لعقولنا النيرة بأن تشغل حيزًا من حكمنا على الأشخاص، فكل من يمر بيومك ليس عبارة عن مواقف أو تصرفات فقط بل إشارات جسدية وتعبيرات لا إرادية أيضًا، تنم على ما يبطنه أحدهم فتجد الكثير ممن يتصنعون الضحكات، والكثير ممن يذرفون دموع التماسيح، لكن في نهاية اليوم تفضحهم أجسادهم وتُبدي حقيقتهم، فشتان بين ما تراه العين وما يدركه العقل.

في نهاية الأمر عزيزي القارئ لا بد أن توقن بأن ما يدور بخُلد الآخرين أكثر بكثير مما يمكنك أن تميزه بعينك فقط، فالأمر يتطلب الكثير والكثير من المجهود وإمعان النظر والتحليل، وهيهات أن تحصر فُلك أحدهم بمجرد النظرة الأولي، فلا يمكنك أن تأخذ انطباعًا أوليًا عن أحدهم ما دمت لم تر الصورة الكاملة.

-آلاء السيد

-أحمد البرم