“حقائق مقلوبة”

حقيقة أن الشخص ينهار فجأة بين يديك بعد صدمة عصبية مؤلم لروحك، الجميع يحتاج بعد ذلك الحدث للتحدث مع طبيب نفسي ليصبح سوي،



-١-

توقف صوتي عن الخروج، وتمردت روحي على الإستيقاظ؛ عضلة عيني تعبت فانزلقت تلامس جفني حتى أغمضت نهائيًا، توقفت حاسة البصر عندي وقتها ولكني رأيت جميع مرضاي أمامي يضحكون ويستهزؤون بي، كان ما حولي أراه باللون الأسود إلا هم واضحين كما النور، ثم أخذوا في الإنطفاء وعم السواد من حولي، ضعفت حالة السمع لديّ حتي أحسست بأني مُغيب تمامًا عن هذا العالم الذي لا يُريدني به، أخر ما سمعته وأخر ما شعرت به قبل أن تذهب روحي وتعود، كان بكاء جيلان ودموعها التي تغسل وجهي…

 

ثم ذهب وهي مع صرختها: “ناااااااااااااااااااااايف”

……………………………………………………………

 

حقيقة أن الشخص ينهار فجأة بين يديك بعد صدمة عصبية مؤلم لروحك، الجميع يحتاج بعد ذلك الحدث للتحدث مع طبيب نفسي ليصبح سوي، ولكن حديثي مع الطبيب النفسي لم يكن من أجلي بل من أجل نايف.

بعدما فقد نايف وعيه بين ذراعي لم أستوعب ما يحدث، إستجمعتُ قوتي لأطلب الإسعاف سريعًا، ولكن ظللتُ حاضنة لجسدة ودموعي تنهمر فوقة كشلال ماء، أخذني الإسعاف معه إلى المسشفى، وتم تعليق المحاليل لي ثم وجدت أحد الأطباء يسأل عن ماذا حدث للشخص الأخر ليفقد الوعي، أخبرت الطبيب بما حدث في العيادة، فأجزم منذ حديثي عن الشخصيات التي كان يراها نايف أنه مريض نفسي يحتاج لعلاج، ولكنه الأن نائم تحت تأثير المخدر الذي يسري في دمائه الأن، لن يستيقظ سوى بعض ساعات، لذا اقترح الطبيب أن أحدثه عن نايف أكثر، بعدما علم أنه لا يمتلك من عائلته أحد ليسأل، ليعلم عن ماضيه ويكون مرجع له حين يسأل نايف عنه مجددًا، فلا يمكنك الوثوق بجميع كلمات المرضى النفسيين، وأنت بحاجة لمعرفة بعض الحقائق، لذا لم أمانع إخباره بجميع معلوماتي عن نايف، ماضيه وما أعرفه من حاضرة، ولكن لم يتواجد شئ غريب حدث بخلاف ما حدث اليوم، سوى ما حدث على القطار سابقًا، وهو ما أوقفني عنده الطبيب ليسمع جميع تفاصيله.

 

-٢-

 

في الحقيقة لم أقابل نايف بعد تلك السنوات في عيادتهُ، قبلها ببضعة أشهرٍ قليلة قابلتهُ صدفة على القطار، ولكن لم أحدثهُ ولم يحدثني، رأيته حين كنا نصعد على متنه ونظر في عيناي ثم لاح بنظره عني، ثم بسرعة نظر مجددًا فلم يجدني، تورايت خلف سيدة تقف أمامي حتى لا يراني مجددًا، خشيت أن أواجهه، لم أمتلك الشجاعة لتلك الصدفة التي ستحتم علي إخباره بكل ما فعلته به من سوء، قضيت سنينًا بعيدة عنهُ ولم أستطع التفكير كيف ستكون المواجهه، لذا حين رأيتهُ أدركت أنني لستُ مستعدة قط؛ لم يحن الوقت بعد، فتواريتُ عن الأنظار وراقبتهُ من بعيد، يبدو من ملامح وجههُ أنه لاحظني ولكن لم يوقن وجودي، لذا إطمئنيت لمتابعتهُ بصمت؛ وهنا كانت المفاجأة حين وجدتُ تصرفاته تميل للغرابة، في بادئ الأمر وبعدما صعدنا على القطار جلست خلفهُ، ظهري كان مقابل ظهره وأذني تسمع كل ما يجول حولهُ، كان في بادئ الأمر صامتًا ثم اعترض طريق الراكب بجانبه حين النزول

في المحطة التالية خرج لشراء شئ ساخن، كان ينظر للهواء أمامهُ كأنهُ ينظر بعينيه لأحدهما، وملامح الإعجاب والذهول تظغي عليه، وجسده يتحرك بالبطئ كما لو لم يرد الإصطدام بمن أمامه؛ ولكن أمامه كان خاليًا وكنتُ خلفه مباشرة، لن أنكر وجود فتاة غجرية حسناء مرت من قبالها منذ بضعة لحظات؛ ولكن حين تحرك من مكانه لم تكن تزال أمامه، ساعدني على تعقبه سترتي التي بها الكابوتشي ونظارتي الشمسية، لذا حين وصلنا لكشك المشروبات الساخنة ظل واقفًا، ينظر لجانبة وتتحرك شفتاه دون خروج صوت، وكأنهُ يحدث أحدهما ويضحك ويداعب وملامح الإعجاب لم تخلو من وجهه، أخذ كوبهُ وصعد قبل مغادرة القطار وصعدتُ خلفهُ، ثم وجد فتاه تجلس أمامه ويداها مليئة بالطعام، عزمت عليه ولكنهُ لم يرد بل نظر لها نظرة اشمئزاز، كنتُ قد بدلت مقعدي لأتمكن من رؤيته جيدًا، فبعد تحركاته وردود أفعال وجهه الغريبة لابد من مراقبته عن ثقب، أخشى أنهُ قد تأذى في شئ ما، لم تبالي كثيرًا به وهو الأخر لم يبالي، نظر للمقعد الذي بجانبه وأخذ يحرك شفتاهُ وتتغير تعبيرات وجههُ، ثم بصوت عالي نطق إسمي وضحك، لم أدري أيمزح معي! أعلم بوجودي ومراقبتهُ؟ ظللتُ ساكنهُ ناظرة لأسفل وانتظرت أن يقف أمامي ضاحكًا معلنًا عن مزاحهُ، ولكنه لم يفعل بل حين نظرتُ له ببطئ وجدتهُ على نفس الحالة، ثم رأيت الفتاه تهلع إلى حمام الفتيات وهو خلفها، لا أدري لم خوفتُ عليها منه لذا ذهبتُ سريعًا، فوجدته يغضب من أحدهما ويتحاور مع الآخر وفي يده شنطة لا أدري من أين أتى بها، ثم هدأ الوضع ما أن أعطى الشنطة لأحدهما، تساءلت هل هو مدمن مخدرات! هل به شيئًا؟ هل تاجر ممنوعات وهذه الشنطة بها هيروين وهو يتعاطاهُ حتى أصبح هكذا! لم يجب على أسئلتي سوى صفارة القطار معلنة عن المحطة الأخيرة، وجدته مغادرًا لم أدري ألحق به أم بصاحب الشنطة، لكن إذا واجهت نايف لا أدرى من أين أبدأ ولا بأي وجه أسئلة عن الحقيبة أو تصرفاته، لذا ذهبتُ خلف صاحب الحقيبة وأعلمته إني صديقة نايف، وكان علي أن أشرح له من نايف لأنه لم يكن يعلم إسمه، وحين شرحت من هو أخبرني أنه ساعدتهُ لإسترداد حقيبته، وسألني هل جعلني نايف أذهب إليه ليطالبه بمقابل غير مباشر، لذا ودعته على أمل أن أجد نايف وأواجهه لأفهم ما به لكنه إختفى، لم أجده ولكن على الأقل فهمت ما قصة الحقيبة، وحين أخبرته ما حدث قديمًا، ووصلتُ لنفس نقطة بداية قصتي، وهي ذهابي للعيادة بعدما أخبرتني صديقة لي عن طبيب فتح عيادته بنفس عمارتها وكان إسمه “نايف”، وذهابي بحثًا عنهُ ومواجهته في حين وجوده بالفعل، حتي طرق أحدهم الباب ليُعلم الدكتور عن استيقاظ نايف.

 

-٣-

 

بعد سنتين من العلاج:

“دكتور نايف، لا أعلم لماذا جئت باكرًا للغاية هكذا، عمومًا هذا سجل حالات اليوم، سيكون يومًا طويلًا للغاية، سأذهب لأدخل الحالة الأولى الآن”

“لا انتظري قليلًا فقط، نصف ساعة وسأبدأ، أريد أن أحتسي قهوتي حتي لا أفقد التركيز، فكما تقولين يبدو أن اليوم سيكون طويلًا للغاية”

“حسناً يا دكتور”

استندت برأسي للخلف على حافة الكرسي أمام المكتب، واسترجعت كل ما مر على طوال السنين الماضية، اليوم هو افتتاح العيادة الخاصة بي بعد سنتين من رحلة علاج طويلة، رحلة طويلة مليئة بالألم والوجع والضياع، مكثت طويلًا أبحث عن وجهتي الضائعة، أفتش عن ذكرياتي، أريد دفن المؤلم منها، والذي كان السبب في كل ما وصلت إليه من ألم، أبحث عن نفسي هنا وهناك، تشتت روحي بين الطرق، وأخيراً الآن قد وجدتها بعد فقدان طويل.

أيقنت بعد كل ما مررت به أثناء رحلة علاجي، أنني ممتن لمرضي ذلك الذي جعلني أتعافى من أثر الذكريات السيئة الذي كان ملتصق بجدار روحي وأخيرًا قد تحرر ذلك الألم، ربما أرواحنا تشاركنا الألم، تشفق علينا، وتلجأ حينها لأن تحرر نفسها وتحررنا من كل ذلك، حين كان الألم غير محتمل بداخلي، حاولت روحي أن تخفف عني، ولكن الأمر كان أشبه بتناولي لمسكن، فالبطبع سيعود الألم مجددًا بعد غياب مفعول المسكن، وهو ما حدث حينها قد ارتطمتُ بأرض الواقع، وتبخرت كل تلك الشخصيات من حولي، وتبخر معها كل ما كان قابع بداخل مخيلتي، ثم أُصبت بصدمة عصبية وفقدت الوعي، ظننت حينها أنه “للمرة الثانية” قد تآمر جسدي اللعين على وجعلني أصاب بصدمة عصبية، ولكن في الحقيقة هي أن روحي قد لعبت دورها في محاولة لتخفيف الألم، فجعلتني أنهار حينها حتي تستطيع ذاكرتي لعب دورها أثناء نومي وبهدوء حتي لا أشعر بالألم الشديد مجددًا.

 

-٤-

 

كانت ذكرياتي تأبى التراجع والسقوط، لذلك فقد فرت مني هاربة محاولة تشتيت انتباهي، وجدتها قد تبعثرت هنا وهناك بين ذلك الشخص هنا، وذلك الرجل في آخر العربة.

كان ذلك حينما حاولت الفرار من ذكرياتي وتركت البيت القديم، وكأنني هكذا قد تركت ذكرياتي خلفي، فإذا بها تركض معي، تنظر إليّ بسخرية، وأكاد أسمع صوت ضحكاتها المتعالي في رأسي، توجهت إلى محطة القطار وأنا أشعر أنني بلا هوية بلا ماضي، أو ربما حاولتُ أن أقنع نفسي بذلك، ركبت القطار ولم تستطع ذكرياتي الركوب لنفوري منها، ولكنني لم أنجح في إبعاد الشعور الذي أخلفته تلك الذكريات، فركب معي القطار.

شعر بنفوري منه أيضًا، فتمثل كالطيف وتفرق هنا وهناك، فوجدت كل ندبة عالقة بي في أشخاص لا أعرفهم ولا يعرفونني، ولكن القدر سيجعلهم يمكثون طويلًا في مخيلتي بعد ذلك.

بالفعل كان هناك رجل يبحث عن حقيبته ولم يكن في حالة الجنون التيُ تخيلتهُ بها لحبه في إقتناء الأشياء، وها هو الشخص الذي لطالما صرح على أي شئ وأي شخص، بل جعلت نفسي منهُ كذلك لتطفئ شعور الغضب المتأجج داخلي قليلًا، وأيضًا لم تكن هناك امرأة غجرية ولا امرأة تأكل بشراهة أمامي، ولكن خيالي اللعين من صور لي ذلك في محاولة لتعليق كل ما يشعر به على شماعة الآخرين، كان غرور الراكب الوهمي بجانبي غروري أنا، ولطالما أردت إعتراضة والوقوف أمامهُ، لذا نظرات الحقد والخذلان كانت ما بيني وبينك أيضًا يا صديقي، ولم تكن هناك نظرات تطل من عين المرأة القصيرة، ولكنها كانت عيناي أنا، وكان انعكاس صورة المرأة في عيناي ممزوجًا بنظرة الحسد داخلي هو من صور لي ذلك، لم تسقط رأس ذلك البدين الذي كان بجانبي على كتفي أيضًا، ولكن كنت أنا من أشعر بالكسل والنوم وخشيت أن أنام وتسقط رأسي على كتف الشخص الجالس بجواري، لم يكن هناك جميع عيوبي تحيط بي، فقط عيوبي لتنتشلني من عالم العقلاء لأصبح من المجاذيب.

 

-٥-

 

والآن بعد تلك الفترة الطويلة أنا الآن قد تخلصت من كل تلك الشخصيات التي كانت تسكن داخلي، وقد تحرر هؤلاء الأشخاص الذين رسمهم خيالي أيضًا مما قد علق بهم من فوضى المشاعر المضطربة داخل.

أتساءل،هل يعلم هؤلاء الأشخاص الأبرياء من كل تلك الاضطرابات أنهم كانوا يسكنون خيالي لفترة طويلة؟، هل يعلم أنهم كانوا يعيشون معي؟، وهل يعلمون أيضًا أنني قد تحدثت إليهم طويلًا؟، وقد شغلني أمرهم كثيرًا، أو في الحقيقة أنه قد ثقل علي أمري، فكانوا ونس لي في رحلتي الشاقة،

ورغم أن رحلتي الشاقة تلك قد انتهت ولكنني لن أنساهم أبدًا، وأتمنى لو يقف القدر في صفي وأستطيع أن ألقاهم صدفة، وقتها سأحكي لهم حكايتي الطويلة، سأخبرهم أنهم كانوا أبطال الحكاية، قاطع صوت طرق الباب شرودي الطويل

“ادخل”

“جئت لأهنئك بافتتاح عيادتك الجديدة، ولكن دعني أخبرك تلك المرة أن العيادة تضج بالمرضى حقًا”

تعالت ضحكاتنا سويًا نضحك على أحزان الماضي، ونستقبل حياة جديدة آملين أن تكون حياة هادئة وسعيدة.

 

“وأخيرًا أستطيع أن أقول لك حمدًا لله على سلامتك يا نايف”

 

النهاية.

بقلم:

أفنان الحفناوي.

أمل العفيفي.

أحمد رضا.

ندى الفخراني