“شيزوفرنيا”

كانت ملامحه كطفل خرج للتو من شجار، عينيه ممتلئة بالدموع، وأخفض رأسه وبكى كثيرًا،



لم يستوعب عقلي ما حدث! كيف رأيتني راشد؟ أغمضت عيني قليلًا وحاولت أن أتمعن في شكله قليلًا، أعلم جيدًا تطرقي للتأمل في تفاصيل مرضاي، فأنا أعشق التفاصيل، لذا ساستجمع ملامحه مجددًا، لابد من وجود خطأ في ما يحدث لي الآن! فتحتُ عيني مجددًا لأجدني كما كُنت في المرآة ولكني مشوه، يوجد تداخل بيني وبين ملامح ليست غريبة عليّ بالمرة، حسنًا سأغمض عيني مجددًا وأتنفس بروية واستجمع شتات عقلي لرسم تلك الملامح المشوهة من جديد. أغمضت عيني وعددت لثلاثة، شهيق زفير، شهيق زفير.

تالله ما الذي يحدث!

أي لعنة صبها علي، لما أرى راشد هنا أمامي ماثلًا في المرآة، كيف أراني الآن بنسخة راشد!

ربما لأنني اعتقدت أنه يشبهني كثيرًا، فقام عقلي اللاواعي بوضع صورته أمامي الآن دون إدراك لذلك.

أغمضت عيني مجددًا وكأنني لا أريد أن أرى ما يدور حولي، رأسي يؤلمني بشدة، ربما السبب في ذلك عدم استيعاب ذاكرتي لما يحدث، حاولت أن استجمع شتات نفسي، تنفست بعمق وأنا أستند بكلتا ذراعي على الجدار بجانبي، ثم وضعت رأسي بين يدي في محاولة لإخماد الألم لعلني أعود إلى وعيي، حدثت نفسي كثيرًا بأنه لا يدعو للقلق، إنني بخير، الأمر كله أنني لم أحظى بالراحة منذ أن افتتحت العيادة، لابد أنني مرهق، كما أنني قد تعمق تفكيري كثيرًا في حياة المرضى، لذلك فتلك أسباب كافية لما أشعر به الآن، كل شيء سيعود كما كان، كل شيء على ما يرام نايف.

تنهدت تنهيدة طويلة تحمل كل ما بداخلي من شعور، من ترقب وخوف واضطراب، وألم شديد في روحي قد وصل صداه إلى رأسي، بدأت أفتح عيناي تدريجيًا في ترقب، فهالني ما رأيت! كانت ملامح راشد التي رأيتها لأول مرة أمامي كما هي؛ ولكن اختلف جسده كليًا، كان بدين حقًا وقصير، إذًا كيف رأيته كذلك؟ آااااااه رأسي، رباه ماذا يجري هنا!

حاولت أن ألملم شتاتي، وألا أفقد وعيي، جاهدت بشدة في أن استجمع كل تركيزي، نظرت مباشرة للمرآة بنظرة رغم حدتها إلا أنها تحمل بداخلها الكثير من الضعف والرجاء، ركزت ناظري على المرآة بشدة واستندت بيداي على الحوض من أمامي، ثبتُّ قدماي الضعيفتان في الأرض قبل أن تخونني ومن ثم أسقط فاقدًا للوعي، تمثل أمامي في المرآة شيء يشبه طيف يتحرك يمينًا ويسارًا، أمعنت النظر أكثر واقتربت بكلتا عيناي حتى أنها كانت على وشك الالتصاق بالمرآة، كان الطيف لشخص يبدو كراشد بنسخته الحقيقية التي كان يحدثني عنها، وفجأة يتأرجح الطيف يسارًا فأرى وجهي ماثلًا أمامي على جسد راشد البدين والقصير، تالله ما الذي يحدث!

بمجرد أن رأيت وجهي على جسد راشد، ذلك الشكل الذي يشبه المسخ، شعرت بالاشمئزاز، رأسي كان يدور، وكأن الحمام كان ينقلب رأسًا على عقب، شعرت بالغثيان حينها، وأسرعت إلى الحوض وأنا أتقيأ، ربما لم أكن أريد التقيؤ حقًا، ولكن ما رأيته أمامي من مسخ هو ما جعلني أشعر بالغثيان، مما دفعني لأرغم نفسي على التقيؤ دون أن أدرك ما أفعله، وكأنني فقدت الإدراك والتفكير، تسوقني نفسي لما سأفعله، تحركني مشاعري، أحاول أن أفكر، فأسمع صوت يشبه التشويش، وكأنها أصوات أفكاري المضطربة، ووسط محاولتي اليائسة في أن أفكر لعبت الذاكرة دورها، قفزت إلى ذهني فجأة صورة “مادلين ريان” وهي ترغم نفسها على التقيؤ.

 

وكأن جسدي قد تآمر علي، مخي اللعين لا يعمل، لا يستطيع التفكير، أفكاري كلما أردت الامساك بها تهرب مني، ذراعاي أفلتت الحوض الممسكة به، وخانتني قدماي فسقطت على الأرض خائرًا للقوة، ولم يكتفي جسدي بذلك، بل قامت ذاكرتي أيضًا بلعب الدور الخاص بها، واستدعت صورة مادلين أمامي، لم تكتفي تلك الذاكرة اللعينة بصورة راشد أو المسخ، بل قامت بخطة محكمة في محاولة لإرباكي وتشتت ذهني تمامًا. أنا نايف الطبيب النفسي المشهور بعبقريته وقدرته على تشخيص الحالات من أول جلسة، المعروف باتزانه وهدوءه، والذي يسعى خلفه الأطباء في محاولة للتقرب منه حتى يستطيعوا أن ينهلوا منه ومن علمه، الذي يأتيه كبار الشخصيات ورجال الأعمال، الذي يستعين به الأطباء في علاج حالات مستعصية، ويأتي إليه الناس من أنحاء العالم، ويتلهف الجميع من المستشفيات الخاصة للعمل معهم؛ لأنهم يثقون أن عملي معهم يعني شهرة وأموال طائلة لهم.

كيف يحدث كل ذلك معي الآن، كيف يجرؤ جسدي على خيانتي كذلك، وكيف أشعر بما أشعر به الآن، كيف استطاع الاضطراب أن يتملكني، ويتملك كل خلية من خلايا جسدي، أنا لم أسقط يومًا ما، رفاهية السقوط والانهيار لم تُخلق لي، أنا لم ولن أسقط، حاولت الوقوف مجددًا وأنا أصيح بتلك الكلمات، في محاولة للاستنجاد بعقلي اللاواعي، استطعت أن أنهض بعد مشقة وعناء، وقفت وأنا أترنح وكأنني على وشك السقوط مجددًا، ولكنني استندت بجسدي على الجدار بجانبي، حاولت أن أشحذ نفسي بالطاقة، أن أصيح في جسدي لكي أستطيع التحرك والخروج من هنا، شعرت حينها بالسخط والحسد لهذا الذي يدعى راشد، كيف كان متصالحًا مع جسده البدين هكذا، بينما أنا بمجرد التخيل فقط لم أستطع الصمود، كما أنه السبب في كل ما أشعر به الآن، تبا له.

سرت باتجاه الباب وأنا أفتحه للفرار من هنا، وكأنني هكذا أفر مما يحدث لي، شعرت بسخرية نفسي مني، وسمعت حينها صوت التشويش داخل عقلي وكأنه صوت لضحكات متقطعة مليئة بالسخرية.

 

خرجت من الحمام لأجد أحدهم كان يقف أمامي يتحدث، ولكنني لم استطع التعرف على صورته للتو، كانت ملامحه مشوشة، استطعت بالكاد وبصعوبة بالغة أن اتعرف عليها، كانت الممرضة واقفة أمامي تتحدث، تمكنت بصعوبة بالغة للاستماع لما تقوله “هل أنت بخير يا دكتور نايف؟ وجهك في حالة ذبول وصفرة، هل تريد شيئًا دافئًا أو ماء بسكر؟” شكرتها وأخبرتها أني بخير، ولكن لم تصمت على ذلك، بل سألتني هل تغير وجبتي وتطلب لي شيء آخر صحي، دون أن أتردد سألتها “متي طلبتُ طعام؟”

“منذ قليل يا دكتور، لقد استدعيتني منذ نصف ساعة وطلبت الكثير من الطعام، وأخبرتني أن أطلبه لك بعد نصف ساعة، ولكن أرى أنك لستُ بخير وأنت تريد تناول أصناف كثيرة ومختلفة كعادتك، لكن أصناف اليوم دسمة وبها كثير من الدهون، ماذا لو طلبتُ لك شيئًا دافئًا وصحي على المعدة؟”

لا أتذكر أني طلبت منها ذلك، بل لم أتذكر أني أكل كثيرًا كما تقول!

صِحت في وجهها: “فلتفعلي ما تريدين فأنتي تشغلينني عن مريضي بالداخل”.

“لا يوجد أحد بالداخل يا دكتور!”

قالتها وبدأت ملامحها في التغير، “ولكن كيف! أين راشد؟”

“من راشد!”

“مريضي الذي كان بالداخل حين ذهبت للحمام، هل غادر هذا اللعين؟”

“هل أنت حقًا بخير يا دكتور نايف؟”

“لما تسأليني هذا السؤال كثيرًا، أريد معرفة أين ذهب ومتى غادر! هل أخبرك أن تقولي لي شيء قبل ذهابه؟”

ظهرت على ملامحها التوتر والذعر، قالت بصوت منخفض ومرتبك:

“لم يأتي أي مرضى إلى العيادة اليوم يا دكتور، لم أر أحدًا!”

“هل جننتِ، هل تحاولين إثارة أعصابي! أيتها اللعينة، هل أصبتِ بالعمى، ها هي الحالة الأخيرة لذلك اليوم، لقد كان يومًا شاقًا للغاية، يمكنك إلغاء تلك الحالة فأنا…”

نظرت إلى الحالة المتبقية، وتذكرتها فور رؤيتها، فقد كانت ذاكرتي تستدعي صورتها في مخيلتي من آن لآخر، إنها “مياسة الزين”، بنفس جسدها الممشوق، وهيئتها الساحرة، وشعرها الأحمر الغجري، والنمش المتناثر على ملامح وجهها، ولا أعلم كيف استطاعت أن تسحر عيناي وتستحوذ على انتباهي مجددًا، وأنا في تلك الحالة، شعرت بتدفق الدم في عروقي، وسخونة جسدي، وتدفق الحرارة منه، وتسارع نبضات قلبي وها هي نفسي تحثني على التقدم نحوها، وكأنها أرادت أن تفر وتهرب من كل ما تشعر به، ولكن في الحقيقة أن جسدي قد تصلب مكانه، ولم أقو على الحركة من مكاني، ربما أيضًا لم أحب أن أسعى إليها وأنا بهذه الحالة، فتراجعت سريعًا عن رغبتي في التقدم نحوها، والتفتُّ إلى الممرضة لأبلغها أن تلغي حالات اليوم، وأنا نظري ما زال معلقًا على مياسة، تبًا لنفسي تلك، لا أعلم ما كل ذلك التناقض الذي أشعر به الآن، حسنًا سوف أذهب إلى البيت لأرتاح الآن، فأنا بلا شك أحتاج إلى الراحة، حينها سيعود كل شيء كما كان، وستصبح الأمور على ما يرام، أليس كذلك!

“دكتور هل أنت بخير، أين تلك الحالة التي تتحدث عنها”

“أيتها الغبية، ها هي جالسة هناك”

لم أشعر بنفسي وأنا أسحب الممرضة من يديها في غضب شديد، لأريها الحالة المتبقية، واعتذرت منها، ساحبًا الممرضة أيضًا لداخل غرفة الفحص لأريها راشد ذلك اللعين.

“دكتور لا يوجد حالة هنا، ولا يوجد حالة بالخارج، بل إنه من الأساس لم أرى مريضًا يدخل للعيادة منذ اليوم الأول لي في العمل هنا!”

وقعت كلماتها علي كأن أحدهم قد وضع خنجر في صدري، تجمدت مكاني للحظات محاولًا استيعاب ما قد قالته، شعرت بغصٍة في حلقي، وضيق في التنفس، عروقي كادت أن تنفجر من ضغط الدم المتدفق بها، شعرت أن رأسي يحترق من فرط الحرارة المندفعة به ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أصيح بكل ما تبقى لي من طاقة، وأسب الممرضة بأبشع الألفاظ، وأتهمها بالجنون.

 

وما زاد غضبه أكثر حين استنكر كلامي، لم يصدق أن لم يأتي أي مرضى إلى عيادته اليوم، ولكني أخبرته الحقيقة وهي أن منذ يوم عملي هنا، ولم أر أي مريض يخطو بداخل العيادة قط!

كُنت أظن بأني حظي السيء عم على المكان، ولكنني عرفتُ أني أول من أعمل هنا، وهذه العيادة حديثة العهد، لم تبدأ إلا منذ عملي هنا بإسبوعين فقط، وأن منذ افتتاحها لم يأتي أحد إلى هنا حقًا، ولكني لم أبه بذلك ما دمت أخذ مرتبي، لقد دفع لي دكتور نايف مقدم لثلاثة شهور، وهو ما أسعدني كثيرًا فلم أبه بالمرضى أو وجود حالات، وعلى الرغم من عدم وجود حالات كان يأتي كل يوم للعيادة مبكرًا، يذهب لغرفة الفحص، يجلس خلف مكتبه على كرسيه، ويقوم بإخراج أوراق عديدة أمامه، ويكتب كثيرًا، متنقلًا بين تلك الأوراق وبين جهاز اللابتوب، وأحيانًا أخرى كان يجلس على الكرسي أمام الشيزلونج، لقد فسرت الأمر في المرة الأولى بحزنه الشديد لعدم وجود حالات، أو ربما يتدرب لكونه طبيب جديد، ولكن الأمر تكرر مرارًا، حتى أنني في بعض الأحيان كنت استمع لصوته يتكلم، لم أكترث كثيرًا ربما يتكلم في الهاتف، أو ربما يحب التحدث بصوت عالي أثناء دراسته، ولكن ما هالني هو ذلك اليوم الذي يسبق هذا اليوم المشؤوم الآن، كان يجلس أمام الشيزلونج مصوبًا نظره لنقطة معينة، وكان يفعل حركات كإيماءات رأسه وكأنه يتبادل الحديث مع أحد ما، ويسأل الأسئلة ويتكلم، هالني ما رأيت، وتملك الخوف مني، ولكن حاولت أن أهدأ من روعي بأنه ربما يتدرب أيضًا، ولكن ما جعلني أشك في الأمر هو حرصه المستمر أن يأتي للعيادة كل يوم وأن يغادر في مواعيد ثابتة، وكأنها مواعيد العمل الرسمي.

وهو الآن يصفني بالحمقاء والمجنونة لأني أقول الحقائق، أخبرني أنه متأكد من وجود بعض الحالات التي أتت، وأصبح يتمتم بأسماء غريبة مثل: مادلين ومياسة ولؤي وأدهم وجيلان!

ثم أستوقفته عند جيلان، فهذه الشخصية الوحيدة التي أتت إلى هنا منذ قدومي، ولكنها لم تكن مريضة بل صديقته، أخبرته أن بالفعل أتت صديقة له تُدعى جيلان وتحدثا كثيرًا ويومها أعطي لي إجازة وخرجا معًا، لم يُصدق عدم وجود حالات ولا مرضى، وقال أنه كما يتذكر جيلان يتذكر الأخرين، أخذ يبحث في كشف السجلات عن الحالات فلم يجد أحد؛ وجد الكشف خاليًا، صرخ وصاح بي أكثر وتمرد عن طبعه، هذا ليس الطبيب نايف الذي عملتُ لديه، اتهمني باللامبالاة وعدم تأديه عملي، وأخذ يقول أنه دكتور نايف أشهر دكتور في مصر، يُعظَّم ويفتخر بنفسه وبشهادته ثم يلتفت لي ويثور عليّ، لن أتحمل تلك الحالة من الغرور والغضب التي تنصب عليّ، تركت العيادة وتركته في هذه الحالة وغادرت.

تذكرت شيئًا فجأة ففتحت هاتفي، وهاتفت رقم كان قد سُجل عندي حديثًا، لترد جيلان:

“ألو”

“نايف ليس بخير يا أستاذة جيلان، لم أستطع أن أتحمل حالته فغادرت، وتذكرت أنك قد تركتِ لي رقمك في حين حدوث شيء، أنا أسفة ولكن لن أستطيع أن أكمل عملي، الدكتور نايف بالعيادة الآن لذا أتمنى أن تذهبي لرؤيته، فكما أخبرتك فإنه ليس بخير بالمرة”

قالت الممرضة لي ذلك وأقفلت هاتفها، لم تترك لي ردًا ولا فرصة لمهاتفتها مجددًا، أظن أن نايف فعل بها الكثير لتضعني على قائمة المحظورين، أتذكر أن نايف كان بخير حين ذهبت له في العيادة، ولكني لم أدري إذا كان بخير فعلًا أم أنه بخير فقط هذا اليوم، حين رأيته سابقًا لاحظت بعض التغيرات عليه، لذا حين ذهبت لأزوره خشيت أن يحدث له شيء في المستقبل، وهو ما دفعني لترك رقم هاتفي الخاص لممرضته في حين حدث شيء.

لا أدري ما الذي أصابه مجددًا، لم أتوقع أن يحدث له ذلك بتلك السرعة، فلقد كان طبيعيًا يوم تقابلنا، بل كان يوم جميل بكل ما فيه، فقط شعرت أنه يهتم بي كثيرًا عن ما سبق، وهذا لم أدري ايسعدني الأمر أم يقلقني، فلقد كان يركز في كل ما أفعله ويسأل عن كل ما أخبره به، وكأنه يدون بداخله كلامي في جلسة معالجة، ولكني لم أمانع ذلك لأننا دومًا كنا بصديقين، لذا لا ضرر من معرفة الكثير بشأني، لكن الغريب تحدثه عن جزء معين في حياته وإخفائه الباقي، كما أنه أصبح صريح فيما يخص المجاملات والحب والنساء، نايف لم يكن هكذا فيما سبق، نايف تغير كثيرًا، ولكن في حدود هذا اليوم كان تغيرًا للأحسن وفي حدود الطبيعي، فجميعنا يؤثر علينا الوقت والعوامل الأخرى لتغير شخصياتنا، أردت فقط أن يبقى هكذا دون أن يعود لما مضى.

كان الاتصال مفاجىء لي؛ لذا ظللتُ بعض الوقت في مكاني أفكر فقط في آخر ذكرياتي مع نايف، حتى أدركت أنه لابد من وجودي بجانبه الآن، لذا بدون أي تردد أخذت مفاتيح سيارتي، وانطلقت إلى عيادة نايف، أدعو أن يظل بها حتى أذهب، فأنا لا أعرف له عنوان آخر، كما أنه لا يرد على هاتفه منذ هاتفتني الممرضة، ولكني أخشى من ذهابي، فبداخلي شيء يقول:

“أنتِ لا تدرين ماذا ستواجهين هناك”.

 

دخلت بسرعة وأنا أشعر بالخوف والترقب، دخلت إلى غرفة الفحص مسرعة وأعتقدت حينها أنني التي قد أصبت بصدمة وليس هو، وجدت نايف جالسًا وراء مكتبه، وكأن شيئًا لم يحدث، الأوراق متناثرة من حوله، المكان فوضوي وعشوائي يدل على أن انفجارًا قد حدث هنا، كان المكان مبعثرًا، رأيت كل ما يعلو المكاتب والمنضدات على الأرض، بعض الزجاج المتناثر والمتهشم لا أدري مصدره، الأوراق المبعثرة حوله، وكان هو أكثرهم فوضى، شعره يسبح في كل الاتجاهات؛ وكأن كل شعرة انحرفت عن مسارها، قميصه ليس بداخل بنطاله ولا خارجة، بل يتشبث بصعوبة بجسده، أزراره مفتوحة والأخرى ساقطة، ووجهه يوحي بوجود مشاكل تزامن عقله، أما المكان يوحي بخروجه من حالة غضب طازجة.

ذهبت للخارج سريعًا قبل أن يلحظ وجودي ليتسنى لي مراقبة تصرفاته، كان في حالة يرثى لها، يبدو على وجهه كمن خرج للتو من حرب، كان يعمل بجد ويكتب بسرعة في الأوراق التي أمامه، حينها أدركت أنه يجب علي التصرف قبل أن يتطور الأمر وتسوء حالته، نايف يجب أن يعلم بشأن حالته.

“جيلان! كيف أحوالك، مفاجأة سعيدة، ماذا أتى بك إلى هنا الآن؟”

“نايف ماذا تفعل! وما تلك الفوضى من حولك”

“لا عليك لقد شعرت بالغضب فقط لقد طردت الممرضة التي كانت تعمل هنا، أنها مهملة، لم تقوم برصد كشف الحالات منذ أول يوم للعمل لها، كما يبدو عليها أنها مختلة عقليًا، أو ربما قد عينها هنا أحد الأطباء الذين يريدون الإطاحة بي لتسوء سمعتي، إنها تخبرني بأن عيادتي لم يدخلها مريض قط، أنا نايف تخبرني ممرضة حمقاء بذلك!”

“نايف كفى”

“ماذا؟ ما الأمر يا جيلان! أتذكرين ذلك اليوم الذي جئتي لزيارتي في العيادة لتهنئتي بعملي، ألم تكن العيادة تضج بالمرضى؟ حتى أنني ذلك اليوم قمت بإلغاء كل الحالات ليتسنى لي الجلوس معك، ألا تتذكرين يا جيلان!”

“نايف أرجوك دعنا نذهب من هنا الآن”

“حسنًا لنذهب، ولكن دعيني أولًا أتحقق من سجل الحالات، أيضًا هل كان هناك حالات بالخارج وأنت قادمة يا جيلان؟ لما أنت صامتة، رجاءًا أخبريني يا جيلان”

كان صوت أجهش رقيق، على وشك الانهيار والبكاء لم أتحمل الصمت أو إخفاء ذلك عنه، لقد كان مثير للشفقة وأنا لا أريد أن أراه كذلك.

“نااااايف، كفى أرجوك، لا يوجد حالات بالخارج، ولم يوجد حالات قط، حتى في ذلك اليوم الذي أتيت فيه إلى هنا كانت العيادة فارغة، كما أنك مجرد طبيب جديد لذلك لا يوجد لك أعداء أو منافسين من الأطباء، عيادتك أيضًا جديدة ولم تبلي جيدًا بعد، كل ما تقوله هذا مجرد وهم، أرجوك دعنا نذهب الآن لتستريح ونكمل ذلك الحديث لاحقًا”

صرخ بي كثيرًا وقال أنني أكذب، من أخبرني أن أقول ذلك، ظل يصرخ كثيرًا يتهم الجميع بأذيته، وقال: “لا تكوني مثلهم يا جيلان، أنتي صديقتي ولم تكذبي علي قط، لا تدعي أحدًا يدخل بين صداقتنا”، ثم تحول نبرة غضبة لنبرة انكسار وقال لي:

“أنت لا تكذبين صحيح؟ أنا من أتهيأ بكل تلك الأمور”

لقد كُنت صامتة حتى يفرغ غضبه، ولكن الغضب لم يشفع له فبكى؛ بكى وجثا على ركبتيه، لم أدر ماذا أفعل فجلست بجانبه أحتضنه.

“أهذا كله بمخيلتي! أحقًا لم يوجد أحد هنا؟ أقضيت من عمري شهور في هذه الحالة، لا يوجد مرضى! حسنًا من كنت أعالج حينها، ومن هؤلاء الأشخاص؟ جميعهم لا وجود لهم إلا في عقلي، أدهم، مياسة، مادلين، لؤي، راشد، جميعهم لا وجود لهم!

لما حدث لي ذلك يا جيلان! لم لا أحد بجانبي؟ حتى تلك التخيلات التي ملئت حياتي أخيرًا تركتني ورحلت، ستتركيني أيضًا يا جيلان؟ لما يحدث لي ذلك، لماذا”

قال كلماته الأخيرة تلك بصوت متهدج، مملوء بالبكاء لم استطع أن أتحمل أثر كلماته على قلبي، امتلئت عيناي بالدموع، وشعرت أنني على وشك البكاء، حاولت أن استجمع قوتي حينها:

“هيا بنا يا نايف، ستكون بخير، كل شيء سيكون على ما يرام”كانتملامحه كطفل خرج للتو من شجار، عينيه ممتلئة بالدموع، وأخفض رأسه وبكى كثيرًا، وبكيت معه، لا أذكر أنني رأيت نايف يبكي يومًا، بكى كأنه لم يبك يومًا، ثم نظر إلي نظرة طويلة كأنه طفل يتشبث بأمه، وانتهى به الأمر بأن سقط على الأرض فاقدًا لوعيه.

بقلم:

أفنان الحفناوى.

أمل العفيفى.

أحمد رضا.

ندى الفخرانى.