“الرضا أعلى درجات اليقين”

يكمن الرضا في السكينة التي تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو امتلكت كل شيء



يمر الإنسان في حياتهُ بثلاث مراحل، الأولى يكون لديه صحة ووقت ولا يملك المال، والثانية صحة ومال وليس لديه وقت، أما الثالثة فقد يملك المال والوقت ولا يملك الصحة. السؤال هنا، هل يكون الإنسان راضي وسعيد في هذه المراحل الثلاث؟ أم ساخط بسبب فقدانهُ العنصر الثالث؟ فقد يكون هناك البعض ِمنْ مَنْ يملكون المال ولا يكتفون به ويطمعون في الزيادة، والبعض الآخر يملكون الوقت و لا يستغلونهُ الاستغلال الأمثل، وهناك من يملكون الصحة ولا يوجهونها توجيهًا صحيحًا، بل يدمرونها بالتعاطي و خلافهُ للخروج من واقع الحياة وهذا نوع من أنواع عدم الرضا، ف هنا يكونوا قد خسروا صحتهم و وقتهم و مالهم، وقد روَى “ابْنُ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيُّ” فِي جَامِعِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لا تَزُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ).

في البداية يجب أن نعرف معنى السعادة والشقاء والرضا، السعادة قد تكون مؤقتة وهنا نصفها بالمتعة وهي سلاح ذو حدين مثل شرب الخمر وتعاطي المخدرات وتتحول بمرور الوقت إلى إدمان وهنا قد ينقلب السحر على الساحر، أما السعادة الدائمة فتبقي لفترات كبيرة وقد تزول بمرور الوقت “فدوام الحال من المحال” فتكون مثل امتلاك أصدقاء وتكوين أسرة سعيدة وعمل تحبهُ، أما السعادة الأكبر هي أن تلقي ربك وقد دخلت الجنة.

وفي معني الشقاء والتعاسة فنجد الإنسان المهموم الساخط علي حياتهُ ناقم علي حالهُ ينظر إلي ما في يد غيرهُ ويتمناهُ و يرى حياته سوداء، ونجد هنا أن السعادة هي الرضا بالحال، فإذا كنت قويًا أم ضعيفًا غنيًا أم فقيرًا معافي كنت أو معاقا فأحمد ربكَ على هذه النعم الأخرى التي أعطاها لك فقال الله تعالي “وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ” صدق الله العظيم، فالأحرى بك أن تعمل على تطوير نفسك مع الحياة بدلًا من أن تنقم عليها، ويحضرني أيضا تفسير الشيخ الشعراوي في بعض الآثار قائلًا “يا ابن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب، فإن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك ف وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك، وكنت عندي مذموماً”، و نجد أيضًا أن الله -تعالي- قال “لقد خلقنا الإنسان في كبد ” أي في شدة وطلب المعيشة، وقد سمعنا عن العديد من الرجال الأغنياء الذين يعانون من القلق ولا يجدون راحة في حياتهم على الرغم من امتلاكهم الكثير من الأشياء ومن ناحية أخري نري رجل فقير ألقت به الحياة في أحد شوارع سوق المدينة وقد وجد راحتهُ و خلد إلى النوم فراحة البال والسكينة والسعادة لا يقدرون بثمن، فهذا هو الله عز وجل قد قسم النعم فلا أحد يأخذ كل شيء، وفي أحد المقولات العظيمة جدًا عن الإمام علي بن أبي طالب “إني ذقت الطيبات كلها فلم أجد أطيب من العافية، وأعلم أن الدهر يومان، يوم لك ويوم عليك، فإن كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فلا تضجر، فأصبر فكلاهما سينحسر”.

وهنا يكمن الرضا في السكينة التي تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو امتلكت كل شيء، فقد وجدنا عدم الرضا في الطمع وطلب المزيد والاستهتار بالنعم وتضييع ما نملكهُ اليوم على الرغم من تحذير الدين لهذا الخطأ، ونجد أن السعادة الحقيقة توجد في الأصدقاء والأسرة والرضا والاطمئنان، والشقاء والتعاسة في السخط على ما نملك، وأن التطوير فيما نملك لا يعد طمع أو سخط، بل استغلال أمثل لنعم الله (إذا كان التطوير فيما لا يخالف شرع الله)، ويجب أن نضع صوب أعيننا هذه المقولة “القناعة كنز لا يفني”.

 

-احمد الدسوقي