“الغريبة”

سيذهب الابتلاء ويبقى صبرك وجمال معدنك المصقول بعده، ستجف دموعك ويطمئن قلبك،



إلى تلك الغريبة التي أكتب إليها وأنا لا أعرف هويتها، السلام عليك أينما حللت والسلام على قلبك الطاهر، أما بعد:
لقد عانيت ها هنا كالجميع لا خلاف على ذلك، إن الخلاف الذي بيننا هو أنك -وبمنتهى البساطة- قررتِ إنهاء حياتك، قررت أن تسلكي أسهل درب لتهربي من الواقع المرير الذي نعيشه، وهو الموت عمدًا.

من منا لم تخطر بباله فكرة الانتحار؟ ومن منا لم يُشخّص بمرض الاكتئاب! كلنا مرضى نفسيون باختلاف الدرجات، ولكن القوي فينا من ينتصر على تلك الأفكار، من يقهر حزنه بسلامة تفكيره وبالقرب من الله، أتظنين أن الموت راحة لك؟ وبتلك الطريقة؟ ألك من الأعمال التي يحبها الله -عز وجل- ما يكفي للقائه؟ الله رحيمٌ بك وقادرٌ في طرفة عين أن يُبدّل حالك إلى أفضل حال، لو ظننت به خيرًا واستعنت به وحده، هو حسبك ووكيلك وشاهد على كل ما مررت به، وكل ألم ترك ندوبًا في قلبك، وكل دمعة باتت في عينك حتى بهتت ملامحك وأُنهك جسدك، وكل خذلان من قريب كنت تحسبين يومًا أنه لن يؤذيك وفعل، وكل ظلمٍ ذقت مرارته، الله شاهد وذاك يكفيك.

“ولقد خلقنا الإنسان في كبد”؛ قدرنا كبشر أن نعيش هذا الكَبَد حتى نعرف كيف تكون الجنة حين نغادر هذه الدنيا، نسعى جاهدين لنتخطى كل صعب فيها أيّما كانت الطريقة دون الاستسلام واليأس.
فلما كان كل ابتلاء -مهما كانت صعوبته- يصيبنا بالجزع ويجعلنا نستسلم لكل هاجس من شيطان، وننقاد لأهوائنا وأنفسنا عديمة الصبر والحكمة، فوالله ما عاش أحد فينا!
أيتها الغريبة القريبة، غريبة لا أعرف اسمك، قريبةٌ تشبه نفسك نفسي، هوني عليك، فحياتنا سويعات مقابل خلود أبدي تطيب فيه أرواحنا المنهكة، ونفوسنا المستهلكة.
تخيلي أن ذاك الخلود الأبدي يزدان مع كل شوكة ومرارة نلاقيها ها هنا، تخيلي أن شقائنا الآن هو وقود نعيمنا غدًا،
إن صبرنا ولم نجزع، إن تغافلنا وكان الحِلم غطاء ما تضج به قلوبنا من حسرة وألم، لا لشيء غير الثقة بالكريم الرحيم الذي ما أخّر عنا إلا ليعطينا، وما أشقانا إلا ليسعدنا، وما ابتلانا إلا ليزيدنا قوة.
ستعرفين كيف تكون النفس ألد أعدائنا أحيانّا، وكيف تهون كل المعارك أمام معاركنا أمام أنفسنا، فانتصارنا فيها هو فتح الفتوح.
سأذكرك، وأدعو لك ولنفسي، وأقرأ كلماتي لك كلما أصابني من الوهن ما أصابك، فما هو منّي ببعيد!
بعد اليوم لا تشتكي فما بقي ليس كما مضى،سيذهب الابتلاء ويبقى صبرك وجمال معدنك المصقول بعده، ستجف دموعك ويطمئن قلبك، وتذكرين المحنة بجميل الامتنان والرضا عمّا فات.
سأخبر الجميع عن قصتك، سأطلب منهم الدعاء، سأنتظر رسائلك بعد النصر، لأخبر بها من احتدمت معاركهم، علّهم يصبرون، وينتصرون مثلك.
-دينا زيدان