بالجنة يا أمى

يا من في السماء، تطوفين جنة الخلدُ، تداعبين جميع لحظاتي بروحك، أراكِ في نومي وفي استيقاظي



“يومًا ما، كان لي أمًا مثلكم”

كتبت هذه العبارة عندما نظرت للسوشيال ميديا، ووجدت الجميع محتفلًا بأمه على الملأ، ألمني إحساس الفقد مجددًا، ثم مسحت العبارة دون أن تُنشر، أردت أن يتمتع الجميع بتلك الذكرى السعيدة مع أماهتهم، ليس لدي الحق لسلب تلك الفرحة أو الاعتراض؛ بل فرحت كثيرًا لكل تلك الأحاديث عن أعظم الأمهات، وما يفعولنهم وما فوق عاتقهم، ابتسمت لتلامس دموعي إحدى غمزاتي الدفينة، وتخيلت كل ما كُتب في أمي، واحتفلت معهم يا أمي بك وأنتِ في الجنة، لا يجب أن يمر ذلك اليوم سوى بكل سعادة، سعادة يوم “عيد الأم”.

اعذروني أولًا لطغيان مشاعري على حروف الكلمات، فأنا لا أكتب سوى بقلبي ومشاعري، واعذروني ثانيًا عن تكرار بعض المفردات، فأنا كالجميع أحب أمي بطريقة خاصة وأما بعد:

ذلك المكتوب إلى من يمر عليه هذا العام وأمه بقلبه، لكنها ودعته وسبقته لجنة الخلد قبله، ولمن لديه نعمة رؤية الأم في كل حين والتمتع بحنانها ودفء حضنها.

إذا سألت الأشخاص حولك تِباعًا: لما تحب والدتك؟ سيرد أحدهما: لأنها حملتني تسع شهور وهن على وهن، علمتني المشي والحركة وكبرتني حتى صِرت لما أنا عليه، وسيرد أخر: لأنها ذُكرت في القرآن، ووصانا عليها الله والرسول -صلى الله عليه وسلم-، وسيردد الآخرون مما بين الآتي: لأنها الوحيدة التي تغفر لي مهما كانت ذنوبي، تتقبلني بجميع حالاتي، وقفت بجانبي في كل وقت وآذان، لم ألجأ إليها قط إلا ووجدت ذراعيها منفتحين في وضع استقبالي، لأنها تتحمل قسوتي وتمسح دموعي، تسهر على راحتي، وتدللني حين أحتاج دلالها، تعلمني حين ترى أني بحاجة للعلام، تهذبني جيدًا وتبوخني كثيرًا، لكن لا يقدر أحد على النظر بعيني في وجودها، ولأنها تستطيع أن تتجسد جميع الشخصيات والأدوار التي أحتاجها، شاهدة على كل لحظة من عمري، ولديها دائمًا ذكريات وحكاوي إذا انطلق فمها بها لضاع مستقبلي وحياتي وضاعت هيبتي أمام الجميع، وستجد من يخبرك بأنه يحبها فقط لأنها “أمه”.

هنا أغنية أعشقها كثيرًا لمجموعة من المغنين الكبار، اسمها “أمي ثم أمي” يوجد بها جملة دائمًا في قلبي:

“من حنانك من سماحتك، الجنة تحتك وده اللي ربنا قال عليه”.

دائمًا ستجدها مليئة بالحنان اتجاهك، حتى في رغم قسوتها سترى في عيونها تمرد؛ تمرد نابع من حنان قلبها، دائمًا ستسامحك في قلبها لأنها أعظم ما في الوجود.

هناك اعتقاد سائد يكاد يكون حقيقة ملموسة، وهو شعور الأم تجاه أبنائها؛ ستحظرك الأم إذا اتجهت نحو خطر، ستدرك ذلك ولا تعلم كيف!

بعضهم يقول أن لديها “الحاسة السادسة”، فيمكنها التنبؤ بكل ما يخص أبنائها، أنا أراها من منظور مختلف، تلك التسع أشهر الذين بقيتُ بجوف رحمها، أخذت الكثير منها، غذائك كان من غذائها، دمك مخلوط بدمها، وتنفسك كان من خلال حبل صغير يربط بينكما، قلبك كان لازال لم يكتمل ولكنك بأمان مع نبض قلبها، أخذت منها الكثير حقًا، امتصيت الكالسيوم من عظماها وأسنانها، العناصر المعدنية من دمها، حتى انفصل جزء من روحها ليُضع بك، أليس ذلك كافي لتشعر بكل ما يمُسك؟

حين يتعرض إحدى أصابعك لخبطة قوية تصرخ من الألم، ماذا لو تعرض جزء من روحك لشيء، ألن تحس به؟

هناك البعض يقول أن الشخص المُقبِل على الموت يعلم أنه سيموت قبلها ببضعة أيام، ألهذا تدرك الأم حين يقترب خطر بحجم الموت من أبنائها، من تلك القطاعات من روحها الصغيرة التي تسكن بأجسادهم!

والله لو قالوا لي يومًا أن أحد قد مات بالغربة، وجدوا جثة لشخص ما وهناك العديد من الدلائل لانتمائها لشخص، لو الجميع أصر أنه انتقل إلى الدار الأخرى، لما صدُقت أحد إلا إذا سمعتها من أمِه، فإذا أردت الاطمئنان على أحد لا تلجأ سوى لأمه؛ وحدها تعلم حقيقة ما يمر به، حتى دون أن يخبرها!

إذا كان موت الأب يعني كسر عمودك الفقري؛ فما يعني موت الأم؟

أعلم جيدًا ذلك الإحساس، أُيقن بأني أمتلك الإجابة رغم صعوبة التعبير عنها، حسنًا لنتفق جميعًا في بادىء الأمر بأن روحنا جزء من روح أمهاتنا، ثم فلنتخيل فُقدان روح دون الجزء الباقي بك!

فإذا كان موت الأب يُحني ظهرك، فموت الأم يُحني روحك، ولا قابلية لصمود الروح أو الاستقامة مجددًا، فإذا بُتر جميع أطرافك ما عدا طرف، فما فائدة أن تعيش به! سيؤدي وظائف لا أنكر ولكن ستظل دائمًا بوجع في قلبك وجسد مشوه، أما عن فُقدان الأم فهو تشويهٌ للروح.

وأخيرًا روحي كاملة بها؛ لأني لم أنساها يومًا، وجدتها في كل لحظة تسكن قلبي، وكأن حين موتها تحررت روحه، ولضمت طرف روحي لتستقر بها، لتستقر الروح كاملة بي، لم نتجزأ يومًا يا أمي ولم يحدث ذلك ما دُمت أحيا.

لذا إذا وصلت لهنا ما عليك إلا أن تخبر والدتك كم أنت تحبها؟

فلتذهب وتعبر عن حبك كما تريد ولكن أظهره، ربما أحضر لها وردًا أحمر يشبه سريان دمها بداخلك، أو أعطها جوابًا مع قطعة صغيرة من الورد المجفف، ربما سيقع عليك حمل قرأته ولكن ستفرح به حتمًا، أو قِف أمامها فقط وأخبرها عن ما يجول بداخلك، وأنهي ما أردته وأبكي في حضنها بشدة، أخرج ما فعلة هذا العالم البشع بك وتبرأ منه إليها.

أما إذا كانت والدتك تجالس والدتي في جنة الفردوس الأعلى، ادعو لها وأقرأ كثيرًا من القرآن، لا حبذا أن تختم القرآن لها كهديتها.

لا تنسى بأن كل يوم هو عيد أم لها، تستحق أن تظهر محبتك اتجاهها، وأن تزيح أي حزن يتخلل يومها، قُل لها دائمًا أحبك يا أمي.

يا من في السماء، تطوفين جنة الخلدُ، تداعبين جميع لحظاتي بروحك، أراكِ في نومي وفي استيقاظي، شئتِ أم أبيت، لا أقدر على ضمِك ولا أقدر على رؤيتك ولكني أحبك لدرجة لن يكفي مجموع دهور جميع الخلق للتعبير عنها؛ لذا سأكتفي بأن أقول لك: كل عام وأنتِ سعيدة في الجنة، أحبك يا أمي.

-أمل العفيفي.