“ألا تتذكرني”

قاطعني مجدداً وأنا أتأمله ليقول وهو متقدم نحوي، "أنا راشد ألا تتذكرني؟"



-١-

 

“اصمت، ألا تعلم بأنك فاشل وغبي وثرثار؟!”

“لا أريد سماع صوتك، كف عن ذلك الهراء، واغرب عن وجهي”.

 

كانت تلك كلمات لوالدي تتردد دائما على مسمعي، أتذكر حينها كيف كان والدي منفعلاً غاضباً، وقد بدا ذلك بوضوح على ملامح وجهه التي تكاد تنفجر من شدة الغضب، والتي لا تزال محفورة في ذاكرتي، يتردد معها دائماً سؤال لما كان والدي دائم الغضب مني! أتذكر تلك الكلمات جيداً، وأتذكر ذلك الموقف الذي ظل محفورًا في ذاكرتي تأبى الأيام أن تمحيه. كان والدي يقوم بري الأشجار، وخرجت لأطلب منه الخروج برفقة زملائي للتنزه قليلاً، ولكنه لم يأبه لي، ولم يلتفت لي، ظللت أكرر كلامي، وأناديه، ولكنه التفت إلي وهو في جم غضبه منفعلًا، وأطلق العنان للسانه ليتفوه بتلك الكلمات التي شكلت ما أنا عليه الآن.

كان أبي سريع الغضب، يغضب على كل شيء ولا أعلم أنا سبب غضبه، لذلك دائمًا ما كنت أنزوي في أحد جدران غرفتي، أهرب من نار الغضب التي تصوبها عيناه نحوي دون سبب!

لقد أخبرتني المعلمة في المدرسة أنه يجب على الصغير احترام الكبير، ومن ثم يقوم الكبير بدوره بأن يعطف على الصغير، ولكن أبي لم يقم بدوره. لا أستطيع التفوه بذلك أمامه، وكعادتي كتمت ذلك الشعور بداخلي؛ حتى أكون ابناً بارًا كما كان يقول شيخي. كنت أتمنى لو أن تستطيع جدران غرفتي أن تقص على والدي ما يدور بداخلي، حتى لو انفجر بها غاضبًا، فلن تتأثر وستظل صامدة أمامه، لكنها مجرد هراء وخيالات طفل يود الهروب من الألم الذي دائما ما كان سببه الغضب.

 

-٢-

 

الماضي ما هو إلا أيادٕ تشكلك، ما نحن سوى حصيلة الأيام والخبرات والمواقف، تشكلنا الكلمات وكأنها تُكتب بيد قائلها داخل أرواحنا، تُختزن كل المواقف التي مررنا بها داخل ذاكرتنا، وتُخلف ورائها الكثير من الشعور بقلوبنا.

لم أحيا طفولة سعيدة أو على الأقل هادئة، دائما ما كان الغضب هو سيد الموقف، وكان الصوت العالي هو المسيطر على الأجواء، يقولون أن لغة العيون أبلغ من أي لغة، وكانت عيناي والدي دائمًا تفيض بغضب شديد، وكانت عيناي في مقابلته تمتلئ بالدموع، لعل دموعي تستطيع إخماد النار المندفعة من عيناه والمُصوبة تجاه قلبي، كنت طفل جيد مع الجميع لكنني كنت عنيد مع نفسي، لم أتذكر يوما أنني بكيت أمام أحد، البكاء ضعف ذلك ما أخبرني به والدي، لذلك لم أرد يومًا أن أكون ضعيفاً، تتراجع كل الدموع التي أرادت الخروج إلى حيث قلبي، فيبكي قلبي عوضاً عنها، ربما لو كنت في الماضي طفل جيد مع نفسي، ولو بكيت بكل ما أملك، ربما كانت هدأت نفسي، أو كنت قد تخلصت من كل ذلك الشعور الذي حولني إلى ما أنا عليه الآن.

يقولون أن البشر ما هم إلا ردود أفعال لكل ما يحدث حولهم، لذلك أعتقد أن كل ردود الأفعال التي منعني الخوف عن فعلها في الماضي تنهال عليا الآن، تراكمت بداخلي المواقف، وفاض الشعور فوجدتني فجأة أتصرف عكس طبيعتي، وجدتني شخصاً لا أعرفه!

أتذكر في أول سنين دراستي في المرحلة الثانوية حدثت مشادة كلامية بيني وبين أحد زملائي، ولأنني كنت هادئاً دومًا ولا أبدأ بالمشاكل، فوجدت في عينيه استصغاراً لنفسي، وجدتني في عينيه ضعيفًا، أتذكر حينها أنني شعرت بكثير من الألم المتأجج بنار الغضب قبل أن أدفعه بكل ما أملك من القوة، لم تكن القوة ما هي التي تحركني بقدر الغضب، كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أغضب بها هكذا، حتى أنني تعجبت من نفسي، ولكنني حينها شعرت بنشوة الانتصار، رغم أنني كنت مخطئاً في تقدير الموقف، فقد كان رد فعلي مبالغًا فيه، ولكنني حينها لم أشعر بأي تأنيب ضمير أو ندم!

المواقف التي صمتنا عنها، تصبح داخلنا كرماد يقبل الاشتعال في أي وقت، وهذا ما حدث، وهذا ما أصبحت عليه الآن.

 

-٣-

 

كان ذلك أول موقف لغضبي، ولكنه لم يكن الأخير، بل كان مجرد بداية لسلسلة تجر ورائها الكثير من الغضب، فجأة ودون أي مقدمات وجدتني أتحول لنسخة مصغرة من أبي، أغضب بسبب وبدون سبب، أصب جم غضبي على كل من حولي دون أي سبب.

أصبح الناس ينفرون مني، يخافون رد فعلي، يترقبون كلامي ويتمنون أن تختفي نبرة الغضب تلك، ورغم أن مار الغضب لم تحرق أحد بقدر ما أحرقتني، ولكن نفسي كانت تتلذذ بذلك العذاب والألم، حولتني الأيام كتلة غضب متأججة، وبدلًا من أن يكون رد فعل طبيعي على موقف يتحتم الغضب، فلقد أصبح أسلوب حياة.

 

-٤-

 

مرت فترة كذلك بدأت بعدها روحي تضعف، ووجدتني لم أعد أقوى على أن أتحمل الغضب.

“يجب أن تذهب إلى عيادة الطب النفسي”

كانت تلك كلمات لدكتور المخ والأعصاب الذي كنت أذهب إليه.

“ما هذا الهراء!”

“هل تعلم يا لؤي، لم أجد سبب عضوي وراء الألم والخلل في أعصابك، ولأن الجسم يتخذ إجراءات دفاع ضد أي حالة نفسية يمر بها الإنسان، فتجد أن معظم الأمراض التي لا تشخيص علمي لها تكون بسبب الحالة النفسية للمريض، لذلك قد يكون السبب وراء تعبك هو الغضب، بوسع الغضب أن يدمر حياتك، وأن يجلب لك الكثير من الأمراض، الغضب قاتل.”

“ولكنني أخبرتك مراراً أنني أشعر بأن هناك قوة خفية تعبث داخلي وتحركني، وأنني أغضب دون إرادة مني!”

“قد يكون ذلك متعلق بمشكلة نفسية لديك، الطب النفسي عامل مهم جدا في رحلة علاج أي مرض، لذلك أنصحك أن تذهب لطبيب نفسي، بإمكاني أن أرشح لك طبيب جيد جداً، وهو دكتور نايف، أثق أنك سوف تجد الحل والتشخيص السليم عنده.”

خرجت حينها دون أن أعقب على كلامه، تملكتني حالة من الضعف، وساقتني قدماي بعيداً حيث يمكنني الهرب قليلا من كل ذلك الضغط الذي أتعرض عليه تلك الفترة.

 

-٥-

 

كان ذلك كل ما قد جال بخاطري وما قد رويته لدكتور نايف منذ دخولي لعيادته.

طوال حياتي لم أستطع العثور على شخص يستطيع أن يسمعني، لذلك كان الصوت الذي يتردد بداخلي دائما مسموع بكل وضوح.

استطعت ولأول مرة أن أقص الكثير من ما مررت به من معاناة وألم في الماضي والحاضر، ولم يستوقفني الطبيب لقد كان طبيباً جيداً بحق كما أخبرني دكتور المخ والأعصاب، كان طبيباً جيداً لأنه استطاع أن يجعلني أتحدث معه بكل أريحية ودون توقف.

وأن أشعر بالاطمئنان وأنا أتحدث، وكأنني أفرغ كل ما كتمته داخلي طوال كل تلك السنين.

قطع شرودي صوته متحدثاً أخيراً بعد ما أفرغت كل ما بداخلي وانتهيت من كلامي.

“أعتقد بأنك أسهل حاجة مرت علي حتى الآن، اعترافك بالمرض، حديث بكل وضوح، ورغبتك الحقيقية في العلاج، كما أن عصابيتك الزائدة وغضبك المستمر ليس بالأمر الجلل، بل يمكنك العلاج منه بأسرع وقت وبسهولة، ولكن إذا التزمت بكل ما أقوله.

أولاً أتعرف سبب ذلك الغضب، لقد كنت تغضب داخلك في الماضي، لم تستطع أن تعبر عن ذلك كرد فعل صريح، لذلك ظل الغضب دفيناً داخلك إلى أن تحرر فجأة، تحرره أيضاً ليس بكل ذلك السوء الذي تظنه وإنما هو فرصة للترويح عن نفسك، وتخفيف تلك الذكريات المؤلمة التي سببت ذلك، ولكن ذلك الغضب قد تحرر في الوقت الخطأ للأشخاص الذين لم يرتكبوا أي فعل، أو لم يفعلوا أي ذنب، وهذا ما يشعرك بالألم داخلك والراحة في آن واحد، إن الأمر بمثابة سلاح ذو حدين.”

“هل يعني هذا أن والدي أيضاً كان مصاباً بذلك؟ وأن الأمر كان لحاجة نفسية داخله؟”

“ربما يكون حقاً الأمر كذلك، ربما قد يكون والدك مر بما تمر به الآن، لذلك عليك بالتماس العذر له، أعلم أن ذلك الكلام قد فات أوانه، ولكنه قد يفيدك في العلاج، إن أحسست بداخلك أن والدك كان يحبك حقاً وأن كل الغضب الذي كان بداخله لم يكن لك، وإنما كان من المفترض أن يكون لأشخاص آخرين في الماضي.”

“ولأن الناس لا يرون إلا ما هو واضحاً جلياً أمامهم، لذا فأنا لا أريد أن أجعلهم مستاءين مني، لا أريد أن تحرق نار الغضب كل ما هو جميل، وأن تفنى حبال الحب بيني وبينهم. حينها قد أستطيع أن أشعر بالهدوء والسلام النفسي داخلي، وأستطيع أن أحيا سعيداً حقا وأنا أرى حب من حولي تجاهي، أريد أن أكون نوراً وليس ناراً، أريد أن أطفئ نار الغضب داخلي للأبد، وأن أتخلص من كل ذلك الرماد القابع داخلي، أريد أن أحيا من جديد.”

“هذا جيد للغاية ولذلك يتطلب منك أن تدرك أن الماضي ما هو إلا محطة من حياتك، لا ينبغي أن تجعله يقف عقبة في طريقك ويعيقك عما تريده، عليك التخلص من كل شعور سيء أخلفته الأيام في قلبك، أعطِ كل شعور حقه في وقتها، لا تجعل المواقف تتراكم على قلبك فتهلكه، حينها تستطيع أن تحيا من جديد وتستشعر بخفة روحك بعدما قتلت الغضب الذي كان على وشك قتلك.”

 

-٦-

 

خرجت من العيادة وقلبي يضخ بالحياة، وأنا ممتلئ بالحماس لأن أكمل ذلك الطريق حتى أحيا من جديد.

“لؤي لؤي”

استوقفني صوت أحدهم ينادي باسمي بصوت عال، لأستدير فأجد رجل ممتلئ ومتوسط الطول، شعره كستنائي، أبيض البشرة ومبتسم بشدة، عينيه نصف مغلقة ولكن استطعت تمييز لونها العسلي.

قاطعني مجدداً وأنا أتأمله ليقول وهو متقدم نحوي، “أنا راشد ألا تتذكرني؟”

بقلم:-

أفنان الحفناوي

أمل العفيفي

أحمد رضا

ندى الفخراني