“الرحلة”

صمت مطبق، بينما قلبي يتبعثر في ثنايا صدري وجومًا وخوفًا، فما عاد بيني وبين النهايةِ سوى مقدار خطوة



فراغ وصمت يُثقلان صدرِي، يُجبراني على مُلاحقةِ أنفاسِي الهاربِة. أغمضُ عيناي، وأصمُ أُذناي بأناملِي؛ لماذا يختارُ أحلكَ الظلماتِ لكي يدكُ حصونِي؟ وقع أقدامِه يدقُ رأسِي كما الناقوسِ، فتتسارع ضرباتُ قلبي معلنًة هشاشتِي.

آخ! ظننت أن ما مِن رجعةٍ. شيء ما يحثُني على فتحِ عيناي؛ أهو فضولُ الإنسانِ لمعرفة المجهولِ؟ أَم أنها الرغبةُ الساخرةُ لرؤيةِ ما هو حتمي الحدوثِ؟ وقد كان هناك في أدقعِ الظلماتِ، محنو الظهر مهيبُ الجسدِ، غائرُ العينين.

ها هو صوتُه المألوف يتبادر لي من جديدٍ، بنبرته الرنانة. “لما تتأففْ؟! أولم تكُن أنتَ من أردتَ الذهابَ في رحلتِك المعهودة؟” صمتٌ مهيبٌ يتصدر المشهدَ، ولكنه يُبادِر بالقول، “ما أنا إلا انعكاس خيالاتِك وأوقاتِك المريرة. أنا جزءٌ منك، أم أني أراك قد نسيتَني بتلك السرعة؟”

يقتضبُ حاجباي بشدة حينما تملأ ضحكاتَه الشبيهة بالفحيحِ أرجاء المكانِ، وتُلاحقُها كلماتَه بألا أضيع مزيدًا من الوقتِ وأُمسك بيدِه. تلك اللحظةُ التي لطالما انتابَني الذُعر مِن مجرد تخيلها، وها أنا ذا أمدُ يدي متخاذلًا مُذعنًا لأمرِه. فلتبدأ الرحلةُ.

يجرُني كما لو أنني جثة هامدة، فتصفعُني التساؤلاتَ؛ أنّي له بتلك القوة، أم أنّه منساقٌ لرغبتِه الجارفة لاقتيادي إلى رحلتِنا المعهودة؟ أكادُ ألمحُ ابتسامتَه العريضة وقد ارتسمت حتى أذنيه. حتمًا تتلهفه الشهوةَ لرؤية الصدمةِ التي ستنطبعُ على وجهِي حينما نصل إلى وجهتِنا المزعومة، وها قد كانت اللحظةُ الحاسمةُ.

يتراءى لي مِن الأفقِ البعيدِ مشهدٌ مِن سرابٍ، وكأنما الغبارُ يستحيل إلى أشخاصٍ يظهرون مِن العدم. أحقاً ما أراه؟!

أميلُ بجسدي للوراءِ، فلا أريد الوصولَ، وأحاولُ مفارقةَ يدِه. سرعان ما تبددت مُحاولاتِي بالإفلاتِ، وكأنما قد صكت أصابعي به منذ أبدِ الدهر. أراه يلهثُ مِن شدة الشوقِ للوصول، بينما أنا أُكابد لتأخيرِه أو إثناءِه عن وجهتنا.

صمت مطبق، بينما قلبي يتبعثر في ثنايا صدري وجومًا وخوفًا، فما عاد بيني وبين النهايةِ سوى مقدار خطوة. الضوء الساطع يغشى عيناي فأبادرُ بإغلاقِهما، ضحكاتُ الصغارِ مخلوطة بنصائحِ العجزة. أحدهم يُفاجئ الجميع ويأمرُهم بإصغاءِ السمعِ والانتباه لما على وشكِ الحدوث، وإذا به صوت في الخلفية يعلن عن بدءِ مسلسل عائلي.

تتفارق جفونِي ويتسلل الضوءُ إلى عيناي شيئًا فشيئًا، وإذا بهم هناك؛ عائلتي في ذكرى منذ سنينٍ عديدةٍ، مجتمعين في غرفة صغيرة نلتحف غطاء واحدًا. أكاد أتذكر إحساس قدم أحدِهم الباردة وهي تُداعب قدمي، فأنهره وأشكوه إلى جدتي، فتوبخهم جميعًا، وأظفرُ بمكانٍ أوسع. كنت هناك ورأسي متوسطة، فأخذ أحدهم يردد مقدمةَ المسلسلِ المعهود. أشاهدُني أنا، الطفلُ الساذج الذي لا يُلقي إلا لمهاولِ الدنيا، ومجمل آمالِه ألا يفارق الغرفةَ ويذهب إلى نومِه مرغمًا للاستيقاظ باكرًا لدراسته.

كم أحسدك أيّها الأبله الصغير، وكم وددت لو تسمعني! أملي لك بأن تفترس تلك اللحظات افتراسًا، وتنهل منها ما يكفيك لتصمُد أمام ما هو آتٍ، افترس ملامحَهم جميعًا؛ كم كانوا سعداء حينها! أخطو لمنتصفِ الغرفةِ، فإذا بي أتوسطهم، وأقف مُباشرةً أمام جدتي. تنهمر مني دمعة آثمًة، وأُملي بحديثي على مسامعها كما لو أنها ستسمعني. كم اشتقت إليك! ما وددت يوم فراقك أن أترككِ. أتمنى أن تسامحيني على ما بدَر مني يومها. أراها قد انفرجت أساريرها لما حدث من لغٍط مِن أحفادها، حيث أحدهم يفتعل وشوشًا بلهاء تُضحك الجميع.

يتغلل الدفء العارمُ في تلك الغرفة إلى قلبي، وأتوسد سرير جدتي. ألمحُه هناك على باب الغرفة يُطالعني باندهاش، حتمًا كان يظن أنني حينما سآتي إلى هنا سأبكي فجعًا على ما فقدته، ولكن شاءت الأقدارُ خلاف ذلك، فقد سنحت لي الفرصة مجددًا لملاقاةِ ما قد فقدتهم.

تمر دقاتُ الساعةِ تباعًا معلنة عن انتهاء المسلسلِ المعهود، وكلمات من جدتي بأن يتجه الجميع إلى مبيتِه. سيرحلُ كلٌ منهم إلى بيته الآن، وها أنا هناك أتظاهر بالنوم كي لا أُفارق مرقدي، فحتمًا ستحنو إلىَّ جدتي وتضمني إليها في سريرها. كنت دائمًا لعوبًا أيها الوغد الصغير! لكنك كنت محقًا، ليتني أظفر بها مرة أخري.

أصابعُ يابسة تضرب الباب، فتثير دقات عنيفة. ألتفت له لأجده مشيرًا لي بانتهاء الرحلة؛ حان موعد العودة. أُشير له برأسي مذعنًا لأمرِه. أنهضُ مِن موضعي وأتفحص جدتي لآخر مرة، وهي ترفع الصغير المُخادع من الأرض، منددة به كي يتوقف التظاهر عن النوم، وتتوالى ضحكاتها متبوعة بضحكات الصغيرِ البلهاء. أرددُ كلماتي مودعًا إياها، ومتوعدًا للصغير الهانئ بدفئه بمستقبله الحزين، وتنطفئ الأنوار معلنةً نهاية الرحلة.

وها هو من جديد يمد لي يده وتنعقد أناملنا، فقد حان ميقات العودةِ. ينقشع المشهد من خلفي، ويخطو أمامِي بظهره المحنو مثبتًا عيناه أمامه، بينما عيناي متشبثة بما كان هناك بالخلف، متمتمًا بكلمات خافته بأني سألقاك يومًا ما يا جدتي.

نور ساطع يتبادر لنا من نهاية الطريق، وكأنه قطارٌ مسرع قادم نحونا، فيغشي عيناي مجبرًا إياي على إغماضها، وبعد لحظات أفتحهما ببطء، لأجدن في غرفتي. تتسارع أنفاسي تارةً وتهدأ تارةً أخرى، يتهادى جفناي إلى مرقدهما. ها هو الستار قد أسدل على الرحلة.

-أحمد البرم.