“الطمع، قل ما جمع.”

فقد تحولت غرفتي لمقبرة حقيقية، وقد دفنت أنا بها تحت كل ما جمعت. فاض بهم الكيل حتى قرروا طردي من البيت



 

(1)

متى بدأ هذا السلوك اللعين؟ ومتى انتهيت أنا؟ أنا لا أدري حقًا!

لقد استيقظت فجأة لأكتشف أنني ما عدت أنا، وما عدت أقيس قيمة ذاتي بي، وإنما بقدر ما أجمع. أبدأ هذا منذ الصغر؟ لابد أنها تلك المسابقة اللعينة! ليتني لم أفز بها؛ ليتني لما أدر بها من الأساس!

لابد أنك تتساءل ما هي المسابقة وكيف أوصلتني هنا، بل ما هو هنا من الأساس. دعني أحك لك أذن قصتي منذ البداية.

لقد نشأت طفلًا في التسعينيات من القرن الماضي، وانتشر في جيلنا وقتها مسابقات التجميع. اجمع عشر أغلفة وفز بدراجة. اجمع عشرين كيسًا وفز برحلة. اجمع هذا واجمع ذاك؛ اجمع حتى لا تعرف إلا الجمع. آه منه المجتمع الرأسمالي، إنه يشغلنا بالجمع حتى نفنى قبل فناء ممتلكاتنا. لقد انشغلت ثانية ولم احك. بدأت القصة حين كنت في الثانية عشر من عمري. رأيت إعلان لإحدى شركات المشروبات الغازية. “اجمع أربع وعشرون غطاء وفز بزلاجة”. لقد كانت وقتها الزلاجة لا تكلف أكثر من ثمن شراء تلك الزجاجات لتجميع الأغطية، ولكن راقت لي –كأي طفل- فكرة الفوز والمكسب المادي. رحت أجمع في ال تلك الأغطية؛ أشتري الزجاجات حتى وإن لم أرد، حقيقة الأمر أني لم أكن من هواة المشروبات الغازية، ولكني تعلمت حبها كي أصل لتلك الجائزة المنشودة. ظللت أجمعهم طيلة أربع شهور، ساعدني فيها أن أمي كانت هي الأخرى تجمع أكياس مساحيق الغسيل لتفز بجنيه من الذهب، فرحنا نتنافس أكثر على من منا سيصل لجائزته أولًا.

وقد كان الفوز من نصيبي، ولكن هيهات. حين أتى الوقت لتسليم الأغطية للشركة حتى أحصل على الجائزة، رفضت! أجل رفضت؛ لقد تعلقت بتلك الأغطية وبمنظرها المبعثر في أنحاء غرفتي. لأربع شهور جمعت فيها. لربما ضايقني في البداية ازدحام أحد أدراجي بهم او تعثري بزجاجة فارغة نسيت التخلص منها، ولكن مع مرور الشهور ألفت المنظر، وصرت لا أبالي برمي الزجاجات والاحتفاظ بالأغطية فقط؛ بل أني حفظت أماكن إلقائي لها بالغرفة كي لا أتعثر ثانية.

 

(2)

 

لم أكن أعلم وقتها ان تلك اللحظة ورفضي التخلي عن بعض الأغطية سيصل بي إلى هنا؛ عيادة الطب النفسي! أراني صررت مجنونًا. نعم، أنا حقًا مجنون؛ مولع حد الجنون بالجمع! أكانت تلح اللحظة نهاية طفولتي الطبيعية البريئة، أم ترى كانت نهايتي أنا شخصيًا؟

أصبحت يومها شخصًا أخر تمامًا. أحسب حساب الزمان، وأضع جميع الاحتمالات. فتلك الزجاجة الفارغة يمكنني أن أملأها مجددًا بالماء، وتلك العلب يمكن أن أخزن بها بعض مقتنياتي، حتى تلك الأوراق من الممكن أن أحتاج لبعض المعلومات المكتوبة بها لاحقًا. ماذا تقولين يا أمي؟ إنها من الصف الثالث الابتدائي فما نفعي بها وأنا في المرحلة الثانوية؟ لا يهم، المهم أنها يوجد فرصة للاستفادة بها، وأنا لا أحب تضييع الفرص. ان إبقاء تلك الأشياء يعني احتمالية الاستفادة بها لاحقًا، مما يعني أني سأوفر حينها المال، الجهد، والوقت. لذا أصبحت أحتفظ بكل شيء. طبقت تعاليم جدتي لأمي بالنص. “اللي متحتاجش النهاردة وشه، بكرة تحتاج قفاه!”

كانت جدتي هي أول من رأيت يبالغ في الاحتفاظ. كانت تحتفظ بعلب المربى الفارغة، وبالأكياس القديمة والجرائد، وحتى بالطعام المتبقي حتى يفسد. وصل الحد بها أنها بعد موت جدي احتفظت بخصلات من شعره، متعللة بأن شعره الذهبي يذكرها به، وأنه لا ضرر منه وربما ينفع لاحقًا.

كنت وقتها أظنها قد جنت من الحزن عليه، فأي شخصٍ عاقل سيحتفظ بشعرٍ مقصوص وأشياء لا قيمة لها ولا نفع. لم أكن أدري حينها أني سأتحول بالتدريج لنسخةٍ مصغرةٍ منها، بل وأفوقها أحيانًا. ها أنا احتفظ ليس فقط بالمقتنيات، ولكن بباقي الطعام حتى وإن فسد، وبالشعرات المتساقطة مني، وحتى بأظافري المقصوصة حولي. حاول أهلي كثيرًا إثنائي عن ذلك، فقد تحولت غرفتي لمقبرة حقيقية، وقد دفنت أنا بها تحت كل ما جمعت. فاض بهم الكيل حتى قرروا طردي من البيت، فأجرت شقة لي وحدي، وشجعني وجود مساحة كبيرة هكذا على أن أجمع أكثر فأكثر.

توقفت عن قص شعري وأظافري وعن حلق لحيتي، وصرت احتفظ بما يتكسر أو يقع منها، حتى أصبحت أبدو كالمشردين. تحول الأمر من كونه شغف شخصي لسلوك قهري ووسواس، حتى إنني حين نسيت في مرة إحدى الأوراق بمكانٍ ما وأخذها أحد عمال النظافة، رحت أبحث عنها طيلة اليوم حتى وجدتها، وبسبب ذلك فوتت أحد أهم فرص العمل التي أتاحت لي يومًا ما. إن لم أكن قد انتهيت يوم رفضت تسليم الأغطية، فإني حقًا انتهيت ذاك اليوم.

 

(3)

 

مازن مطر. حصل على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال عن الأعمال عن كيفية تحقيق أعلى المكاسب بالتدبير والتنظيم، ولكنه فشل في تنظيم حياته ذاتها. مازن شخص متوسط الطول وهزيل للغاية. غير مهندم بالمرة، يبدو كأحد المشردين بالشوارع، ولربما لو رأيته على جانب الطريق لانزويت للجانب الأخر ولملئت منه خوفًا. مبعثر مثل حياته تمامًا؛ شعره يصل حد منتصف ذراعه ويمشي منكس الرأس. لربما ذلك أفضل للجميع، علهم لا يروا لحيته المتشعثة المتسخة، وعينيه البنية التي أحاطتها الهالات. يبدو وكأنه في منتصف الأربعينيات أو أواخرها، ولكن حقيقة الأمر أنها لم يبلغ بعد عامه الخمس وثلاثين. جلس كقائد أسطول أنهكته الهزيمة، يحمل دم كل جندي خسره على يداه. ما لبث أن دخل وراء الممرضة حتى بدأ بالكلام حتى قبل أن تغلق الباب. لم تتسنى لي الفرصة حتى أرشده له، وكأنما هو قد عرف حقيقة أمره ومكانه، وكأنما أعيته نفسه وما حُملت به، فذهب ليريح ظهره من عناء ما يحمل بصدره. بدا عليه الأعياء الشديد، ولكنه كان مصر على التحدث، حتى لم يترك لي فرصة للتعرف عليه، وإنما فقط عرفت ما قد كتب بملفه وما شاء هو أن يحكي لي. لم يكن من عادتي مقاطعة المرضى، فمن خبرتي وجدت أنه إذا توقف المريض عن الكلام لربما تراجع عنه وأعاد التفكير أو شعر بالخزي. تركته يحكي ما اعتمل بصدره، بينما اكتفيت أنا بالإنصات حتى ينتهي من إفراغ مخزونه.

 

(4)

 

استيقظت ذات ليلة -لا أدري متى، فقط أعرف أنها كانت ليلة مشؤمة- لأجد أن الألم يعتصرن. كنت أشعر وكأنما أمزق من الداخل؛ وكأن هناك ما يوجد بداخلي ويصارع للخروج من جسدي بأي طريق. كان الألم يمتلك كل جوارحي، حتى عجزت عن البكاء أو الصراخ لطلب النجدة. وممن أطلب النجدة أصلًا؟ فأنا وحيدٌ، هجرني كل من أعرف بعد أن صرت ذات رائحة لا تحتمل، وصاروا يخافون انتشار ما قد أحمل في طياتي من أمراض أو باكتيريا. حتى عملي طردت منه، وأصبحت أعمل عن بعد في بيتي، فصرت تقريبًا لا أخرج منه على الإطلاق.

أجث على ركبتاي وأرتمي على الأرض في وضع الجنين، أحاول الضغط على معدتي عل الألم يتوقف، ولكن لم يبد في تلك اللحظة أنه ينوي ذلك. حاولت الخروج من الشقة فرُحت أزحف من الألم، وما إن وصلت إلى الشارع الخارجي حتى سقطت في بئرٍ من العتمة.

فتحت عيناي ثانية، ولكن هذه المرة احتضنتني رائحة مختلفة. إنها رائحة الكحول! يبدوا أنني في المستشفى ولم أمت من الألم. لقد توقف الألم الأول ولكني أشعر بألم آخر. فتحت عيناي بصعوبة بالغة، فأنا لم أعتد كل هذه الأضواء البيضاء المحيطة بي. أذلك اسمي الذي أسمع؟ أجل، أجل، إنه الطبيب. يطمئن علي. ماذا حدث؟ يبدو أنني قد أجري لي عملية ما، وتم استئصال جزء من الأمعاء والمعدة. لم؟ لقد تحللوا بداخل جسدي وماتوا، ولولا أن بعض المارة طلبوا لي الإسعاف في الشارع لكنت مت كليًا من التسمم جراء موت خلاياي. أتراني كنت أتعفن يوميًا دون أن أدري، حتى مت قبل أن أموت.

أخربتني الممرضات لاحقًا بأنهم تعرفوا عليّ بصعوبة عن طريق سؤال صاحب العمارة التي أسكن بها عمن أكون، فأحضروا والدي وفتحوا الشقة، ليشتعل كل ما بالشقة فور دخولهم! حين أتم المعمل الجنائي تحليله لاحقًا اكتشفوا أن الشقة كانت مليئة بغاز الميثان، وحيث أنهم لم يستطيعوا العثور على مفتاح الكهرباء في وسط تلال المقتنيات في الشقة، فقد قام أحدهم بإشعال قداحة لينير الطريق، فاشتعل الغاز فورًا. حمدًا لله أنهم كانوا بجوار الباب واستطاعوا الفرار، وإلا لكنت فقدت أهلي أيضًا. أيضًا؟ ما هذا؟ ما الذي تقوله هذه الممرضة؟ ماذا فقدت أولًا؟ يا للهول! لقد احترقت شقتي كلها بما فيها! مقتنياتي اللاتي جمعت طوال السنون صارت هباءًا منثورًا! يا حسرتي! ماذا أفعل في هذه المصيبة؟ ليتني احترقت أنا ولم تحترق هي!

نظرت لي الممرضة في تعجب. قالت لي ما ضرك أن تحترق؟ لقد كانت محض قمامة، بل إنها هي ما أوصلتك إلى هنا!

ماذا تقولين يا أيتها المجنونة؟ ما علاقة ما حدث لي بمقتنياتي؟ راحت تشرح لي حينها، كيف أن غاز الميثان ذلك راح يستبدل جزيئات الأكسجين بداخلي بالتدريج، حتى انقطع الأكسجين عنها تمامًا فماتت، وكدت أن أموت أنا الآخر لولا ستر الله.

أيعقل؟ هل ما تقول هي الحقيقة؟ تقول إنني مريض ويجب أن أقدم على العلاج النفسي فور خروجي من المشفى. أحقًا هذا؟! الصداع من الألم يعصر بي، أصرخ فيها وأتوسل لها أن تعطيني بعض المسكنات، فما تلبث أن تعطها لي حتى أذهب في نومٍ عميق. حسنًا، فلأتعامل مع كل هذه الأمور حين أخرج.

 

(5)

 

بعد أن خرجت من المشفى أدركت أن لا مكان لي. لقد احترقت شقتي وبالطبع لن يوافق صاحب العمارة ولا أي عمارة أخرى بأن يؤجر لي بعدما عرفوا بما حدث. حمدًا لله أن حنان أمي وعاطفنها أبت أن تتخلى عني، فأعاداني إلى بيتهما. لم أدخل هنا منذ سنين. ما هذا المكان مرتب للغاية. أشعر بالنفور. أنا لا أألف هذا المكان، ورائحة الهواء المليء بالأكسجين تحرق أنفي. دخلت غرفتي فوجدت أن أمي قد تخلصت أيضًا من كل ما كان يخصني. آه يا أ/مي! أما يكفيني ما قد خسرت؟!

ذكرني هذا بما قالته الممرضة لي ذاك اليوم، فسارعت إلى حاسوبي. سأواجه أقصى مخاوفي. سأبحث عما بي. علني أجد أنها مخطئة وأني طبيعي، أليس من الطبيعي ألا يحب البشر الخسارة والفقدان؟

واجهتني تلك الشاة البيضاء، توسطها شريط البحث. يجب عليّ أن أكتشف حقيقتي، لا يمكنني الاختباء للأبد!

صعقتني تلك العبارة في أول نتائج البحث. الاكتناز القهري. أترى هذا ما أعاني منه؟ ضغطت على تلك النتيجة راجيًا ألا يكون هذا ما لدي. ينذر الاسم بالسوء. حتمًا أنا ليت بهذا السوء، صحيح؟

خطأ! رحت أقرأ الأعراض، ومع كل عرض يتأكد لدي أكبر مخاوفي. أنا حقًا مصاب بعلةٍ ما. وليس أي علة، أنا في مرحلة متقدمة من هذا المرض، هذا المرض الذي كاد أن يرديني قتيلًا داخل بيتي في صمتٍ تام. نظرت إلى مرآتي. يا إلهي! من هذا الشخص؟ أبدو كحطام إنسانٍ أو مومياء، أقرب للموتى منه إلى الأحياء. يجب أن أجد حل فورًا. يجب أن أبدأ العلاج! يجب أن أتخلص من بعض الأشياء. أتدري ما الذي قررت التخلص منه يا دكتور؟!

 

(6)

 

كانت هذه المرة الأولى التي يوجه لي فيها سؤالًا دون أن يجيبه. نظر لي وكأنما ينتظر مني أنا الإجابة.

“ما هو؟”

“قذارتي! نعم، فأنا قذر يا دكتور. أنا في حالة مزرية. لا أعرف كيف أبدأ في التخلص منها، ولكن فقط أريد الخلاص. أنا لا أريد أن أشعر بمثل ألم تلك الليلة ثانيةً! أيمكن تفاديه؟”

“بالطبع يمكن يا مازن. أولى خطوات العلاج هي الاعتراف بالمرض، وأنا أراك قد اعترفت به لنفسك، ولي. ذلك سيسهل علينا الكثير.”

نظر لي نظرة امتنان. لأول مرة منذ جلس أرى في عينيه شعور إيجابي. إنه الأمل، يحيا ما هو رميم. أرخى كتفيه بعد أن ظلا معقودين طوال الجلسة، وبدا وكأنما لأول مرة يستريح.

“حسنًا يا دكتور، أخبرني فورًا ماذا أفعل؟ أستكتب لي أدوية؟ أنا مستعد لأخذ أي علاج. فقط المهم أن أتعافى!”

“ليس بالضبط يا مازن. مرضك هذا نفسي وليس عقلي كي أكتب لك أدوية. علاجك يبدأ بكسر قواعدك. يجب أن تخرج عن روتينك. آسف مقدمًا إذا كان ما سأقوله سيصدمك، ولكن يجب عليك التخلص من شعرك وأظافرك! يجب عليك أولًا أن تعود بشكلٍ بشري مقبول!”

بدا مازن كمن صعق وكسر في آنٍ واحد، ولكن يبدو أنه كان يعلم بأن هذا ما سأقوله، إذ لم تبد عليه المفاجأة.

“حسنًا يا دكتور. إن كان هذا هو الحل الوحيد، فسأقدم عليه. أعلم أين علي أن أذهب الآن. إلى الحلاق.”

نهض فجأة مازن واستعد للرحيل، يبدو أنه حقًا ينوي تغيير حياته.

“أراك في الجلسة القادمة يا مازن.”

“لا تقلق، سوف تراني، واكن بشكلٍ جديد!”

بقلم:-

أفنان الحفناوي

أمل العفيفي

أحمد رضا

ندى الفخراني