من الخطاب إلى رسائل الواتساب

لطالما كانت الأشياء أكثر تعبًا في الماضي ولكن كانت أكثر متعة، وأكثر جمالًا برونق خاص، كل الأمور كانت هدفًا يسعى صاحبه للوصول إليه، حتى إذا وصل أحس لذة الوصول،



هل جربت مرة أن تراسل صديقك بورقات مكتوبة بخط يدك بدلًا من رسالة خضراء على تطبيق الواتساب؟

هل ذقت مرة مشقة المواصلات في سبيل اللقاء بدلًا من مكالمة فيديو وأنت قابع في مكانك؟

ترنموا بالرسائل وساعي البريد، وخط اليد المرتجف وبقايا دموع على ورقة مسكينة، وأسهبوا في الحكي عن انتظار الردود أيامًا وشهورًا، أما في عصر التكنولوجيا إذا أراد الواحد منا أن يطمئن على صديق له أو حبيب، كل ما يكلفه جهدًا أن تلعب أصابعه على شاشة ملساء راسلًا رسالة لرفيقه على أحد تطبيقات التواصل.

وبالمثل مازالوا يعيشون على آثار ذكريات متعة السينما والشاشات الضخمة بجوار من تحب ولو تكرر الفيلم مئات المرات، وكم تداعبوا بذكريات الخروج للسينما وطريقها المتعب، فما بالك اليوم إن أراد الواحد منا أن يشاهد فيلمًا لم يعد مضطرًا إلى الذهاب للسينما، فشراء حساب على نتفليكس يجعلك تشاهد الكثير من الأفلام وأنت جالس في مكانك.

هل هذا بالفعل يجعل الحياة أفضل؟

كنت معتادًا على الذهاب يوميًا إلى العمل بالسيارة الخاصة بي، وفي مرة من المرات قررت أن أجرب الرجوع إلى المنزل بدراجة أحد زملائي، كانت التجربة ممتعة جدًا.

وأذكر صديقًا حكى لي أنه أصبح يمل من التحدث مع خطيبته على الواتساب، فقرر أن يقوم بشئ جديد بينهما، فقام بشراء جوابات قديمة، وأرسل فيها كل ما يريد أن يقول، ثم قال لي أن إحساسه كان مختلفًا هذه المرة، شعرت خطيبته للمرة الأولى بحبه لها، فبذل المجهود يجعل للأشياء طعمًا مختلفًا.

الأمر لا يتعلق بالعلاقات وأثر المشقة في الجوانب العاطفية فقط، بل أن طلاب العلم رأوا وعاينوا آثار المشقة على تحصيلهم وارتباطهم العميق بالعلم، حكى لي أحدهم وكان يحب التعلم عن طريق الدورات المتاحة على الإنترنت لأنها أسهل وأرخص، ولكنه بعد فترة أصبح يبدأ في الكثير من الدورات ولا ينهيها، فقرر أن يبذل مجهودًا ويذهب إلى التعلم على يد شيخه، وفاجأني بأنه أنهى الكثير من الدورات مع الشيخ، وكوّن الكثير من العلاقات مع زملائه في المجلس، وفهم العلم جيدًا، فكان لبذل المجهود في هذه المرة استفادة كبيرة.

لطالما كانت الأشياء أكثر تعبًا في الماضي ولكن كانت أكثر متعة، وأكثر جمالًا برونق خاص، كل الأمور كانت هدفًا يسعى صاحبه للوصول إليه، حتى إذا وصل أحس لذة الوصول، فغمرته المتعة والراحة والرضا، فلما سهلنا عليه الطريق لم يحس في أموره عناء الشغف، بل أحس فيها بعناء مجرد من أي حب ورغبة، فإذا سهل عليه الوصول، هانت عليه المتعة.

الكاتب: على صابر