إدمان الانتحار

ما الذي من الممكن أن يواجههُ الشخص أسوأ من الموت، ليدرك أن الموت رفيقًا به رحيمًا عليه من تلك الحياة بما فيها؟



لم يَعُد الحديث عن الانتحار أمرًا مُخجلًا، ولا غريب سماعه، لم تعد الحالة النفسية التي تتحكم بجميع ردود أفعالنا غير مُفَسّرة، ولم يعد الطبيب النفسي مُخيفًا بقدر الخوف المتولّد بيننا حين تغزو الأفكار المظلمة حياتنا، لنفقد بصيص الأمل الذي نقتات عليه حين نفقد الرغبة في الحياة، لتنطفئ أرواحنا، وليختفي وهج قلوبنا، لنفقد إيماننا بأنفُسنا وتغزوا الأفكار المظلمة نور عقولنا، ونُفاجأ بالاكتئاب كشبحٍ يُطلق رصاصات إفلاتنا من أرواحنا، لنفلت من أرواحنا، ونواجه أنفسنا بالألم و الخوف وتلك الجملة التي تكرر نفسها -سأُنهى حياتي-، لتبدأ أكبر جريمة في الانتشاء ببذور الخواء وظلمة الأسئلة و متاهة الألم و عقوبة الرجاء.
يوميًا نُشاهد الأخبار في استعجاب وصمت تام وتبدأ الأسئلة المستحضرة في مثل هذه المواقف بالتوارى خلف بعضها، هل هذا عدم إيمان؟ هل عدم إدراك قيمة الحياة؟ أم إنها حالة نفسية؟!
قِلة ما نسأل عن الدافع خلف الانتحار، عن الظروف التي مر بها المنتحر، كيف استطاع أحد أن يتخلى عن الحياة ويقابل الموت بالأحضان كأنه ملجأه الوحيد!
ما الذي من الممكن أن يواجههُ الشخص أسوأ من الموت، ليدرك أن الموت رفيقًا به رحيمًا عليه من تلك الحياة بما فيها؟

بعض الأفكار التي يبدأ منها الانتحار عدم التمتع بالحياة، حالات اليأس وعدم القدرة على تحمل المسئولية لدى الشباب، اعتقاد كبار السن أنهم أصبحوا عالة على المجتمع المحيط أو الأبناء، وفاة أحد أصدقائك المقربين أو أحد أفراد العائلة، تحطم أحلامك، العزلة أو الوحدة أو عدم التكيّف مع الأشخاص من حولك، جميعها أشياء تقرّبَك من الهلاك والرغبة بعدم العَيش.

بالتقريب من الواقع الذي نعيشه، وبعمل (Zoom) على أحد أهم أسباب الانتحار، ستجد (المشاكل العائلية)، و على ذِكر هذا السبب، ذَكر الشاعر -محمد إبراهيم- فى كتابه -مطلوب حبيب- عن أغرب جريمة انتحار حدثت فى التاريخ، حيث قال أن:
شاب يُدعى -رونالد أوبوس- قرر أن ينتحر في -مارس 1944- بسبب اليأس و الملل، بعدما ترك رسالة انتحارية قبل أن يرمى نفسه من الدور العاشر.
رونالد رمى بنفسه و لم يكن يعرف بوجود شبكة أمان مُعلّقة في الدور الثامن تحميه من الموت، وضعها عمال الصيانة، ولكن الغريب أن -إدوارد- مات فى الدور التاسع وقبل أن يصل للدور الثامن و شبكة الإنقاذ، نعم يا صديقى! لقد مات في الهواء نتيجة رصاصة انطلقت من صاحب شقة في الدور التاسع لنفس العمارة، ولسوء حظه، انطلقت في نفس الوقت الذى كان جسده أمام نافذة المنزل مباشرًة، لتستقر الرصاصة في منتصف رأسه و تتحول من جريمة انتحار لجريمة قتل.
تم انتساب جريمة القتل إلى صاحب الشقة في الدور التاسع، والذى اعتاد أن يتشاجر مع زوجته مهددًا بإطلاق النار عليها، حتى اليوم الذى قرر -رونالد- أن يرمي بنفسه، وتحول التهديد لحقيقة وأطلق النار بالفعل، لتتخطى الرصاصة زوجته و تُصيب رونالد، لتبدأ علامات التعجب و الاستفهام حين حَلف مالك الشقة أنه لم يعلم بوجود الرصاصة فى المسدس، وأنه لم يضعها قط، فقط كان يُهدد زوجته بمسدس فارغ و حين ضغط علي الزناد كان من التعصب ولعلمه أنه فارغ، ولم يُرِد قتل أحد، اُستكملت الإجراءات، واعترف أحد أقرباء صاحب الشقة أنه رأى ابنه الصغير يضع الرصاصة بيديه بدون علم والديه، وذلك ليتخلص منهم دفعة واحدة، من كثرة المشاجرات و الالتحام بين والديه و عدم التوافق معهم، كَرهَ العيش في هذا الجو الغير مستقر، ولعدم الالتفات له أبدًا أو الاهتمام به، فقرر وضع الرصاصة ليقتل أبيهِ وأُمه في إحدى المُشاجرات فيتخلص من أمه، ويتخلص من أبيه عند دُخولهِ السجن، فربما يشعر ببعض الراحة والهدوء،
لم تنتهي علامات الاستفهام أبدًا يا صديقي، أغرب ما في الأمر أنَّ ابن صاحب الشقة الذي وضع الرصاصة في المسدس هو نفسه -رونالد- الذي قرر الانتحار!، نعم لقد مات بالرصاصة التي وضعها بيده لنفسه لتُنهي حياته،
لقد مَلَّ -رونالد- جو عائلته، حتى مَلّ الانتظار للمشاجرة التالية، فقرر الانتحار بنفسه، فمات على يد أبيه برصاصة وضعها بيده.

في ذِكر الأحداث الواقعية الحادثة مع -رونالد-، كانت كل مشاكله تتلخص في وضعه الأسرى، الذي أثّر عليه بكره كل شيء وكره الجميع حتى نفسه، لم يجد الحب و الاهتمام من أهله، ولم يحس بالونس والألفة ولو لمرة، فشل في أن يُصلح بينهم دائمًا، فوجد نفسه وحيدًا فاشلًا غير محبوب من أحد، ولا يهتم لأمره أحد، فما يُبقيه على الحياة بَعد؟
أحيانًا كل ما تريده مُجرد شخص يستمع إليك، شخص يريد فقط البقاء معك حتى لو كنت صامتًا غير قادر على البوح بما داخلك، مجرد وجوده و الإحساس بطيفه بجانبك، يُطمئنك، المسدج بتاعة -إزيك أخبارك إيه؟- حتى لو تُرسل لك بشكل روتينى و يومى، سيأتى يوم تحتاج أن تقرأها فعلًا وتحس فعلًا بوجود من يسأل عليك، ويهمه أن تكون فقط بخير.

_ فقط عليك أن تكون متأكّد، هناك شخص يحبك دائمًا، وحتى لو لم تُدرك ذلك بَعد، يجب أن تتعود أن تُحب نفسك، وتكون مُدرك أن الله خلقك للعمل والعبادة، ووجودك في الحياة لسبب لن يكتمل غير بك، الإيمان دائمًا هو الطريق المُنجّى، إرجع لربك أولًا ثم من يُحبونك، وإذا في يوم شعرت بالاكتئاب أو بيأس، أو ضعف وكره للحياة، فعليك بالذهاب لدكتور نفسي، أنت لستَ بمجنون، أنت فقط مريض والمرض لا يُخجِل يا صديقي بل يُعالج، وكن واثقًا دائمًا أنَّ المرض النفسي ليس بعيب أو شيء يُخجل منه.
-أمل العفيفي.