“سوبر بابا”

يبحث كل منا عن الأمان المتمثل في كلمات تخترق قلوبنا فتسكن الخوف والألم القابع به، وعن الثقة في أحدهم، للحد الذي يستطيع أن يلقي بنفسه أمامه وهو يثق تمام الثقة أنه سينقذه،



لماذا الأب؟

لأنه الوحيد الذي يضحي بعمره دون لحظة تفكير واحدة.

حدث -بالأمس- شاهدة غريبة؛ غريبة لأنها قليلًا ما نراها متجسدة، بالرغم من أننا جميعًا ندركها بطريقة كبيرة ونشعر بها في حياتنا، شاهدة “سوبر بابا”.

القصة وباختصار وجود أب وابنته في محطة الإسماعيلية، بدون أي أنظار انزلقت قدمى الابنة من المحطة وسقطت بجوار قضبان الحديد مباشرة وفي أقل من ثانية كان والدها على الأرض يحتضنها ويحميها بكل قوته، بدون أي مقدمات ألقى بنفسه خلفها والقطر أتٍ بأقصى سرعته دون أي خوف أو تردد، قرر أن يحميها أو يقدم حياته في سبيل إنقاذها، لكن المؤكد أنه لم يفكر للحظة ووقف يشاهد ابنته في خطر، ما بين دعوات كل الركاب والمتفرجين حدثت المعجزة، بعد -دقيقة ونص- في نفس الحال واحتضان الأب لابنته وبعد ما وقف القطار، قام الأب وبنته بدون أي إصابة، وكأن الله يظهر رحمته وحكمته ويظهر لنا مدى عظمة الأب.

في تلك الحياة الموحشة التي أصبحنا بها يحتاج المرء لأن يشعر بالراحة والاطمئنان، يحتاج أن يهرب من كل الخوف المحيط به إلى حضن واسع يُلقي به كل ما يجول بخاطره وكل ما ينبض به قلبه من مشاعر متضاربة، شخص متمثلًا في ملجأ من العالم الخارجي.

يبحث كل منا عن الأمان المتمثل في كلمات تخترق قلوبنا فتسكن الخوف والألم القابع به، وعن الثقة في أحدهم، للحد الذي يستطيع أن يلقي بنفسه أمامه وهو يثق تمام الثقة أنه سينقذه، يثق للحد الذي لا حد له أنه لن يفلت يديه مهما حدث، أن تستند عليه متى هاجمك اليأس فيكون لك نعم السند لا يتركك إلا وقد استقمت مجددًا.

ومازالنا نتسائل لماذا الأب!

لماذا لا يوجد أي أحد يستطيع تعويض مكانة الأب، مهما كان قربه لك؛ حبيب، أخ، صديق، قريب أو مجرد زميل، يظل شعور الأب لا يُعوض، مهما كان أحدهما يحاول وبشدة تعويض ذلك الشعور لكِ، يهتم نفس اهتمامه ويخاف بدرجة خوفه ويقلق عليك في كل لحظة.

“فلماذا الأب!”

ربما لأنه أول من سندك حين سقطتِ، من علمك كيف تخطو، مَن ضمك لصدره حين شعرت بالحزن، ومَن حاول معاقبتك لتصبح أفضل رغم أنه كان يعاقب نفسه أولًا برؤيتك تتألم.

تستطيع أن ترى كل تلك المفاهيم متمثلة بكل وضوح في الأب.

كل المعاني التي تبث الراحة والطمأنينة والاستقرار والسند والأمان والأمل والحياة متمثلة في الأبوة، نظرات الحزن التي تطل من عيني والدك أن رآك في مأزق، علامات الشيب التي تروي ما مر من الزمان والعمر الذي أفناه ذلك الجسد في سبيل حياتك وعمرك أنت، التعب والمشقة والغربة والسفر والعمل ليالٍ طوال بجد لا ينقطع من أجل توفير كل ما تحتاجه وتحقيق كل ما يطرأ على بالك، الحياة الرغدة السعيدة التي تعيشها يقف خلفها جندي معلوم تمام العلم تنظر إليه كل يوم، الذي ضحى بحياته وصحته من أجل أن تعيش أنت الحياة التي تسعد بها.

كل تلك المرات التي توقفت بها عن الحلم والأمل فتراه قد وفقك خلفك يمنعك من السقوط يبثك القوة والأمان والثقة، يودعك كل ثقته بأنك الأفضل، أو أنك تستطيع، يسير دائمًا معك كظلك كلما أوشكت على السقوط، كان لك خير معين حتى تصل، فيكون أسعد من في الكون، سعيد بك أكثر من نفسك، وفخور بك، وربما لأنه فارس الأحلام الخاص بنا في فترة من فترات الطفولة، ذلك الفارس الذي لطالما بمنزلك سيحميك من الأشرار ويحصن البيت ضد أى وحش بقوة الأب السحرية، ثم حين تكبرين في العمر؛ سيصبح ذلك الفارس الأبيض على حصانه الأبيض قادمًا نحوك ليختطفك من المنزل، سترينه متجسد لكل بطل في حكاية ما قبل النوم، لطالما اعتاد أن يحكيها ولطالما اعتادتِ أن ترينه البطل.

سيكون لك ذلك الذي تعلمت على يده حب الكورة، كيفية التشجيع واللعب في الشارع، ليصبح أقصى حلمك أن يصطحبك لمشاهدة مباراة حقيقية، لأن وجوده في المنزل، مجرد وجوده فقط يعني الطمأنينة، حتي حين يمرض ويلازم الفراش، حين يكون نائمًا بدون وعي، وحين يكون منشغلًا بعمله، فبمجرد وجوده يعني أنك بخير ولن تتعرض للأذى، هناك شيئًا دائمًا يخبرك “اِطمئن أنت بخير؛ فوالدك على قيد الحياة”.

هناك علاقة وشعور لا يعوض؛ هنالك فطرة، شعور وضعه الله في قلب الأب لحماية ابنائه من أي خطر، وكأنه الدرع الحامي له في ازدحام المعركة، وشعور وضعه بقلبنا وكأن الأب ملجأنا الوحيد الأمن على الأرض، للجميع أب واحد لن يتكرر، ولن يتكرر ذلك الشعور المُدعَى “الأبوة”، تبقي تلك العلاقة ما بين الأب وابنه غامضة، غير مرئية أو مفهومة، ربما تتجسد في كثير من المواقف ولكن ستظل دائمًا علاقة روحانية تعتمد فقط على شعورنا وما يسكن قلبنا؛ لذلك فهو صاحب الفضل الأول بعد الله عزّ وجلّ في كل ما تصل إليه.

كلما فشلت في أمر ما أنظر لعيني أبي بريق الحزن الممزوج بالأمل أنني سأعود مجددًا وسأنهض يبثني طاقة وقوة.

أعتقد بأنني إن قضيت عمري كله من أجل أن أسرد كل المواقف التي تتضمنها الأبوة لن أستطيع؛ لذلك يجب عليك أن تشكر الله دائمًا وأبدًا على نعمة الأب، تلك النعمة التي حُرِمَ منها البعض، تلك النعمة التي كثيرًا ما نغفل عنها ولا ننتبه لها إلا بعد فوات الأوان، كونوا لهم سندًا عندما يتقدم بهم العمر ويضعف البدن ويصبح الجسد هزيلًا، ذلك الجسد الذي أفنوه من أجلكم أنتم.

وإلى أولئك الذين حرموا من آبائهم كونوا لأولادكم ملاذ اللطف، ملجأ من الخوف، كحياة نقية وسط هذا العالم الموحش.

 

كتابة: أفنان الحفناوي – أمل العفيفي

إيديت: هدى أمجد