“قيد التجربة “

لو سألتك ما هي قائمة أحلامك؟ أن تملك منزلًا، أو تحصل على شهادة رفيعة، أو تمتلك سيارة أحدث موديل، أو ربما أن تحافظ على جسم مثالي. ماذا لو سألتك ماهي قائمة التجارب التي تريد خوضها قبل



  • على قمم الجبال وفي أعماق البحار فوق الأراضي اللينة وعلى الطرق الوعرة محاطون بوجوه كثيرة أو في عزلة تامة عن الوجود، تساءلت ما الذي يبحثون عنه بعيدًا عن بيوتهم الآمنة، وظائفهم المستقرة، طقوسهم المفضلة، ودوائرهم المريحة، إنه (شغف التجربة) وما تضيفه من أبعاد جديدة في نظرتك لذاتك، فكلما اتسعت رقعة اكتشافك لهذا العالم، كلما أدركت مكانك فيه، وكلما تأملت قصص الآخرين، كلما تبلورت قصتك أكثر.
    لو سألتك ما هي قائمة أحلامك؟
    أن تملك منزلًا، أو تحصل على شهادة رفيعة، أو تمتلك سيارة أحدث موديل، أو ربما أن تحافظ على جسم مثالي.
    ماذا لو سألتك ماهي قائمة التجارب التي تريد خوضها قبل أن تموت؟
    ربما لم تفكر فيها بعد، اطمئن لست وحدك، فجميعنا نشأنا في بيئات تدفعنا بوعي أو دون وعي إلى اللهاث وراء أحلام نستطيع أن نراها بأعيننا ونلمسها بأيدينا لا نستطيع أن نلمسها بقلوبنا وأرواحنا، فمنذ أن كنت طفلًا تعودت يديك على أن تقبض على لعبة حملتها طويلًا على رف الألعاب، أو أن تحتفل بثوب جديد انضم مؤخرًا إلى خزانة ملابسك، أو غيرها من الأشياء التي لمسناها فظننا أننا ملكنا معها السعادة التي نرجو، والفرح الذي ننشد، شعورنا بالامتلاك المحسوس للأشياء أصبح مرادفًا للأمان والإحساس المزيف بالرضا، فاللعبة فقدتْ بعد أيام بريقها الأول، وأصبح الفستان الجديد قطعة منسية في الخزانة مع الوقت، لقد كبرنا ونحن نظن أن الأهداف التي تستحق العيش لأجلها تتلخص في كثرة الممتلكات ووفرة المال، ذلك الشعور المنشود بالغنى لازال طاغيًا على قائمة أحلام الكثيرين مِنْ مَنْ يعيشون كل يوم في السعي وراء الأكبر والأكثر متناسين أن الغنى قد يقاس بعملات تمتلئ بها مصارف العالم، والثراء يقاس بعملة واحدة فقط، إنها (التجربة(.
    فما قيمة الحياة إن لم تدرك المعاني الخفية وراء الأشياء، والمغزى العميق من هذا الوجود الذي يتجلى في محادثة عابرة مع غريب في مدينة بعيدة، أو تأمل أسرع بالحيتان وهي تعبر المحيطات، أو تحدي نفسك في تسلق جبل شاهق، أو الانعزال مع ذاتك في مكان هادئ بعيدًا عن ضوضاء المدينة أو حتى الخروج من منطقة راحتك والحديث أمام مئات الحضور، أو ربما الصوم عن الكلام لأسابيع، كل ذلك يمنحك نظرة جديدة لترى فيها الحياة، وقصة ملهمة ترويها لأحفادك، وصفحة مميزة تضيفها لفصول حياتك، لكن إن كانت التجارب تحمل في طياتها كل تلك الثمار الطيبة والفوائد الغزيرة، لماذا تبور التجربة في منطقتنا العربية؟
    بل لماذا يشهر البعض ألسنتهم لنقد من يعيش ليجرب ويشبع رغبة الاكتشاف، ويتهم المجربون بالعبثية لمجرد أنهم سيعودون من رحلاتهم بذكريات ولحظات، لا أشياء ولا صفقات.
    أحد الأسباب هو أنه وفي كل عام يمضي من حياتك، محيطك سيصادر جرعة صغيرة من جنونك ستقترب من الصورة النمطية لدورك كشخص ناضج في المجتمع يقوم بخيارات مدروسة تؤدي إلى نتائج مقبولة اجتماعيًا، سيصفق لك المجتمع حين تبدأ بتقسيط منزل العمر، في حين قد تهاجمك علامات الاستفهام حينما تستثمر ما ادخرته خلال العام في رحلة للاختلاء مع الذات.
    أيضا المغامر شخص سؤول فضولي لا ترضيه الإجابات الجاهزة، يعيش في حالة شك مستمر عن ماهية الحياة وما تخبىء من معاني، أما على الضفة الأخرى؛ فيقف معظم البشر مسلّمين بالصورة الافتراضية لما يجب أن تكون عليه يومياتك في العشرينات وخياراتك في الثلاثينات ومسئولياتك في الأربعينات وإنجازاتك في العقود اللاحقة من العمر، المغامر يعيش بمبدأ الشك أساس اليقين في حين أن المعظم يعيشون في جنة المسلمات بأشياء كبرنا ونحن نعتقد بصوابها بمنطق أن هذا ما وجدنا عليه آباؤنا؛ خوفاً من خسارة الراحة تلك التي يكتشف معظمنا كلما اقتربت النهاية، إنها وهم قد ضاعت معه فرصتنا من الدنو من حقيقة الحياة، وأخيرًا قد تعيش مئة عامٍ بحثًا عن المغامرة، تقطع المسافات وتسابق الوقت لترى في نهاية الطريق أن المغامرة الحقيقة هي كل ما تتحمله من تجديف عكس تيار هذا العالم الجارف باحثًا عن شغف روحك راغبًا في إشباع غريزة المعرفة التي زرعها الله فيك، إن التجربة الحقيقية هي تلك التي تهذب الإنسان منا، وتجعلنا نعود إلى واقعنا بنظرة أعمق وروح أشجع ومغزى أسمى لكي نحيا.

. بقلم:حبيبة ايهاب