الفراق

نعم كل تلك المعاناة تعتري داخلنا، وأصبحنا نخشى الاقتراب خشيةً الفراق؛ فبات الحُزن كلهيب الشمس يُبيد القلب، وتشيخ العيون، وتنثر مائها لتطفىء لهيب الذكريات، إن أصعب من الفقد



وجوه شاحبة صفراء تفوح منها رائحة الحزن، وخريف باهت شبه سرمدي، تخترقه صيحات راجفة، وأنين ألم النفس كسرَ الروح، أبات القلب بدموع كسيل النهر، وفقدٌ يعتري صدورنا، وأنت وأنا حتمًا سنذوق اللقاء الأخير بتنهيداتٍ كروح الطائر الذبيح وهي تنتفض، وبدن مجروح شاخ على أن يطير فما لبس أن تحرك حتى أحكمت يد الشِقَاق على قلبه؛ فأصبح باهتًا كأنه في السبعين من العمر، وتعيسًا كالحزن الكامن بوتر الناي، تعتريه الهشاشة، وكأنه قشة تحاول ألّا تغرق؛ فتطفو على سطح الماء، بينما موج الذكريات يتعقبها ليرتطم بأحشائها؛ فتغرق عاجزة عن أن تطير.

 

إنها الأحزان تسكننا لتبيد أرواحنا على مر الزمان، لنشعر أننا بلا هويّة، لنفقد النقاء والبهجة لفقد روح سكنت القلب، وحينما ولّت بات الحزن يسكن أحشائنا بدلًا منها.

 

نعم كل تلك المعاناة تعتري داخلنا، وأصبحنا نخشى الاقتراب خشيةً الفراق؛ فبات الحُزن كلهيب الشمس يُبيد القلب، وتشيخ العيون، وتنثر مائها لتطفىء لهيب الذكريات، إن أصعب من الفقد حال الفاقد وهو يتلمس قلبه يتذكر الماضي، يوجعه الليل بصمته فيذوب حنينًا واشتياقًا، فيعلم حقيقة الدهر وأنه فقد جزء من قلبه، لا بل فقد قلبه كله، وتبقى القليل من النبض ليعيش بهم في تلك الحياة التي تُلقي بك وتقذفك عن يمينها وعن شمالها دون أن تدري، وتظن في دخيلة نفسك أنك المُسيطِر، ولكنها تلك الدائرة يا ولدي التي تصبح جزء منها بدون إرادتك، وتخرجك منها أيضًا بدون أدنى استيعاب، تلك حكمة الله في الدنيا.

 

فقال جبريل عليه السلام: “أضحكني ابن آدم منذ ولادته حتى فنائه” فسأله الرسول لماذا؟ قال: “يعيش حياته باحثًا عن شيء لم يخلقه الله في الدنيا وهو الراحة، تلك ما خلقها الله في الآخرة” فالفقدان واجب؛ لابد للحياة أن تمزق قلبك وتذيقك إياه حينها يعتري الشتاء داخلك في عز الصيف، ويستعبدك الظمأ وقلب نبع الماء يحتل جوانبك وتلوذ بالقشة وتهرب، تهرب بعيدًا، ولكن الذكريات تسكنك وكُلّما سعيت لرحيل؛ وجدت نفسك وحيدًا معها، يندس بفُؤادك العذاب مثلما اندس الحب ولكنه الاختبار الأعظم من الله فتُبتلى صدورنا لتُمتحَن صبورنا، فمَن أمن بالقضاء أنعم الله عليه برحمته فقال تعالى ” الَّذِينَ  إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ” إن الموت حقيقة تتربّص بالجميع لامفر منها على ظهر تلك الأرض، ولا هروب ولكن موت يسير معه رحمة، خير من اليُسْرِ وطول البقاء؛ فاحرصوا على الموت، تُوهَب لكم الحياة، واكثروا من ذكره فقد قال عليه الصلاة والسلام: “أكثروا ذكر هادم اللذات” إنه لا يكون إلّا مرةً واحدةً؛ فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة.

 

فلا تبتئس إنها  الدائرة ستَفقِد وتُفقَد، فقد قال علي بن أبي طالب: ” أحبّب من شئت فأنت مُفارقه”، لكن الموت لا يفرِّق بين القلوب، نحن مَن نفرِّق بين أنفسنا على ظهر تلك الحياة بأعمالنا وجهلنا، فخُذ بيدي إلى مدينةٍ لا يَزورها الفراق.

 

وليهجرك الحزن فما زال بالعمر بقية، فلا تبكي يا صغيري، وانظر نحو السماء غدًا يزول الكرب وتزهر الورود بين جوف قلبك الطاهر.

 

علك تدرك حينها أن ساعة الغروب كانت في الحق ساعة مطلع الزهور، وأن ما من دواء للموت سوى الدعاء، وأننا لن ننال البر حتى ننفق مما نحب، وأن ما من  خير في الحياة إلّا الأمل في حياة أخرى، فيتعين النظر إلى الموت باعتباره الهدف الحقيقي للحياة، وأنّ سعادة المرء تتسع كُلّما اقترب من ذلك الأمل.

بقلم :ناريمان انور