الأبدية الصغيرة

لن يدوم الحزن ضيفًا طويلًا، وسيدق الفرح أبوابنا، ربما ستكون الرحلات للقمر أيسر، ويحقق أخي أحلامه الشتى، وتشعر أمي بالرضا عمّا أفنت به حياتها معنا، وستزرع مساحات خضراء إضافية



قال لي وهو يرتشف قهوته بثقة: ” أنا لا أؤمن بأبدية العلاقات”، نظرت نحوه مبتسمة ثم أشحتُ النظر وغرقتُ في دوامة سذاجتي لأعوامٍ، إنني وصديقتي الأولى سنظل على اتصال، وصديقتي السابقة ما كنّا أبدًا لنفترق، وأنا وصديقتي الحالية سنظل أصدقاء حتى ترتدي كلتينا فستانها الأبيض بجوار فارس أحلامها، بل إننا سنظل أصدقاء حتى يتعرف أبناؤنا على بعضهم البعض ويصبحوا أصدقاء أيضًا، وإنني أعتقد أني سأظل في غرفتي للأبد لا شيء سيخرجني منها، لن أكبر، وسأهرب من النضوج، وسأظل لا أحب عصير البرتقال لهذا الحد، وأقول لأمي مئات المرات كل صباح أنني لا أحب الشاي المخلوط باللبن، وأن أمي ستظل شابة، برغم خطوط الكِبر التى سكنت ثنايا وجهها، وسيظل أخي يرسل لي رسائله العشوائية وهو ينتحب في العمل، ولن ينشغل عني، وسنظل نتعارك على شطائر الجبن بالطماطم في الثالثة فجرًا، وإني حتى الآن لم أستوعب كليًا أنني بعد عام لن أذهب لهذه الجامعة، ومازالت عند ذكرى دخولي لها لأول أتحاشى التخطيط للمستقبل، وأضع احتمالات بسيطة للتغيير، لن يدوم الحزن ضيفًا طويلًا، وسيدق الفرح أبوابنا، ربما ستكون الرحلات للقمر أيسر، ويحقق أخي أحلامه الشتى، وتشعر أمي بالرضا عمّا أفنت به حياتها معنا، وستزرع مساحات خضراء إضافية، ربما أيضًا يكون عقارًا جديدًا للسرطان قد اكتُشف، وتوقف هذا الوحش عن اختطاف أُناس مِن أحِبّتِهم وأنا سأظل طفلة، وأتوقف عن الاهتمام عن إدراك أني انضج يومًا بعد يوم وإن كل عام يُضاف لعمري.

انتبهت عندما وجدته ينادي اسمي، عاودت النظر إليه مبتسمة، ووددتُ لو أخبره كم أني مؤمنة بأن لي أبدية صغيرة في كل شيء، كإيماني التام أن اسمي يصبح جميلًا فقط عندما يلفظُه.

بقلم :ندا عبد الفتاح