“قضبان الحقيقة “

أقول لنفسي لم يكن الأمر صُدفة، فكان وقتي قد حان أن أكتشف حقيقتي وأتحرر من القضبان التي وضعتها الحياة حولي



كُنت قد شاهدت فيلمًا أمريكيًا منذ فترة ليست بطويلة، بطلته فاقدة للذاكرة، يمر النهار عليها بطوله هي وزوجها كل يوم، فتفنجل عينيها غير مدركة من هي ولا أين تكون، ثم لا يلبث زوجها أنْ يستيقظ؛ حتىٰ يُهدئها ويُحاول أن يقنعها أن هذه هيٰ حياتها، وأنهما زوجان منذ فترة طويلة؛ عارضًا لها ألبوم الصور الخاص بزفافهما، وتتوالى الأيام عليهما، كل يوم بهذه الطريقة.

إلىٰ أن يظهر شخص ما بحياتها؛ ليثبت لها بوسيلة ما أن تلك الحياة التي تحياها ليست لها، وذلك الشخص الذي يدّعي أنه زوجها هو المسؤول عن فقدان ذاكرتها وما وصلت إليه، وأن هناك ابنًا وزوجًا في مكان آخر، وحياة أخرىٰ هي حياتها الحقيقية، وعليها أن تبذل كل جهدها حتىٰ تخرج من الحياة التي وضعها شخص غريب رغمًا عنها؛ تحت مُسمىٰ “الحب والزواج”.

وعلىٰ الرغم من أن الفيلم يحكي قصة عادية لامرأة ما، إلّا أنني وفي إحدى المشاهد، دهشت أمام الطريقة التي صنع بها المخرج القصة، ولا أدري حقيقةً إن كان يقصد ذلك حقيقة أم لا؛ لكنّ الصورة التي ظهرت أمامي، هي أيام يتعاقب ليلها بنهارها، وأيام فارغة بأسابيع أخر مخلفة سنين مضت، وتوحي بأخرىٰ باستطاعتها أن تمضي كلمحة بصر مخلفة سنين فارغة أكثر.

ومن جهة أخرى؛ الشخص الذي احتال عليها وتزوج بها، وطريقة البطلة في المقاومة طوال الفيلم، كي تكتشف حقيقتها؛ وتصل لحياتها الحقيقية وتعثر عليها قضية شغلت ذهني؛ المشهدين كليهما أوحى إلي بأنها أكبر مما هي عليه، أو ربما هي كذلك لكنّها تُوحي بأمر آخر.

ووقتها كان رد فعلي أنني لم أتوقف عند هذه الملاحظة طويلًا، ووقتها تسائلت؛ ماذا سيجدي لو قطعت وقتًا ممتعًا أقضيه لكي أُفكر في مسألة قد يتضح بعد ذلك أنها ليست مهمة على الإطلاق!

لكنني بعدما نسيت الفيلم تماما، ومضت أيام وأيام، مررت بفترة غريبة جدا، توالت علي الأيام بليلها ونهارها كما كانت تتوالى تمامًا على تلك المرأة، لا يفرق كثيرا أي شئ سواء استيقظت صباحًا أم عصرًا،  صنعت الشيء الكثير أو الشيء الذي لا يذكر، في كلا الحالتين أعود لنفس النقطة التي يندهش إدراكي بها ليجد نهارًا جديدًا قد أتى، وأيامًا عديدة قد انقضت، ثم أَنْظُرُ نظرة ضيق لما حولي، فأجد أن الحياة كلها تداهمني بطرقات علىٰ بابي معلمةً إيّاي أن الحياة كلها تفلت وتنقضي بكل سهولة ويسر، وكأن شيئًا ما احتال عليّ وحشرني في هذه الدائرة، وعليَ أن أقاوم بنفسي كتلك المرأة، وأتبع سراديب أفكاري حتى أصل لحقيقة ما يحدث لي، في الحقيقة؛ ربما حقيقتي.

لم تكن محاولة تفكيري فيما أمر به إلا توقفًا عن السير في دائرة لا تكف عن التحرك وكأنها حلقة مفرغة، دائرة تمثلت لنا في صورة تقاليد وروتين يومي وغيره؛ لأسأل نفسي متغاضية عن حالتي تلك أمام ما سرته طويلًا من خلفي “هل سأظل أسير هكذا حتى أنتهي؟!”، تمر فترة الجامعة، وما بعد الجامعة، وما بعدها وما بعدها هكذا حتى النهاية بدون التحكم في حقيقتي!

“هل مر الجميع بمثل هذه الحالة كما أمر أنا بها؟!” وبالأخذ في الاعتبار خصوصية الحالة؛ لكن وبالنظر لما حولي كانت الإجابة هي “نعم”، الجميع عليه أن يمر بهذه الحالة في فترة ما، البعض مر بها، والبعض مازال يعايشها، والبعض لم يحن وقته بعد، ونحن جميعًا في عبورنا إياها ننقسم لصنفان؛ صنف يعايشها وكأنها لم تكن، وصنف يعايشها وينتقل بين سراديبها آملًا أن يعرف ماهيتها في حياته، ولماذا وجدت بها، ويتعرقل في سوداويتها إلىٰ أن يصل لنور من أجله وُجدت هي؛ وهو “نور الحقيقة”.

ولا أريد مِنك أن تراني مبالغة هنا بقولي “نور الحقيقة”، لكن الإنسان خلالها ينظر إلىٰ حياته من أعلىٰ، لما مضى،ٰ وما يمكن أن يأتي؛ حتى تنكشف الرؤية أمامه ويرى بوضوح، وساعتها إما أن يكون راضيًا عنه وعن حياته، وإما أن يقلب الدنيا رأسًا على عقب مختارًا دراسة أخرىٰ أو عملًا آخر أو مكان آخر للعيش أو ربما يبدل أماكن الأوراق في صدره، ثم يسير بعدها نحو نهاية مطافه بملئ إدراكه وإرادته.

أقول لنفسي لم يكن الأمر صُدفة، فكان وقتي قد حان أن أكتشف حقيقتي وأتحرر من القضبان التي وضعتها الحياة حولي، وليس عليّ أن آسَفَ علىٰ نفسي وما يمر من أيام وما يمكن أن يمر الآن، لكن من آسف عليهم حقًا هم هؤلاء الذين يخافون التنقل في سراديب حالتهم، ماضيين نحو النهاية بقضبان أحكمتها الحياة عليهم، وعندما يوشكوا على الوصول لخط نهايتهم يلتفتون خلفهم ويسألون “كيف ذلك؟!”، لكن حتىٰ في ذاك الوقت سيكون يومًا واحدًا في “نور الحقيقة” نصر لحياة بأكملها مضت؛ ورفع راية لحياة جديدة مشرقة.

-بقلم:ايمان عمار