كلمات تتنفس الحرية

بينما هو جالس ها هنا و أقصى أمنياته أن ينقضي الوقت الذي أصبح لا يمر أبدًا. فالحياة هنا في ذلك المكان الرمادي البارد المُعتم توقفت منذ أمد بعيد. لا حياة هنا، ولا موت.



تحرير: ساره محمد صادق

وحيدًا في زنزاته يجلس مُفترشًا الأرض من حوله بعدد لا نهائي من الأوراق. بعضها فارغ و البعض الأخر يعج بالكلمات و المواضيع. لم يكن يضعهم في صف أو في ركن الزنزانة بل كان دائمًا ما يتركهم آخذين كل مساحة فارغة من حوله. فذلك الفراغ أصبح يقتله. لم يجد سوى تلك الأوراق لتخفف عنه وطأة الوحدة و قسوتها التي تزداد يومًا بعد يوم. تلك الأوراق فقط كانت تُشعره أن هناك شئ ما يدفعه لمواصلة حياته و عدم الاستسلام لأفكاره الإنتحارية التي باتت ترواده من حين إلى آخر و أصبح يجد صعوبة في الهرب منها. فكلما قرر أن يُضرب عن الطعام أو أن يترك جسده حتى يهلك تمامًا، يجد في روحه بقايا حياة ترفض الاقتراب من النهاية مهما كان في البقاء قسوة.

لم يستوعب حتى الآن السبب وراء وجوده هنا بينما ينعم من في سنه بكل ما  تجلبه لهم الحياة من متع و أمنيات، يتنفسون الحرية ساعين وراء طموحاتهم و أحلامهم التي تتعدى حدودها السماء. بينما هو جالس ها هنا و أقصى أمنياته أن ينقضي الوقت الذي أصبح لا يمر أبدًا. فالحياة هنا في ذلك المكان الرمادي البارد المُعتم توقفت منذ أمد بعيد. لا حياة هنا، ولا موت. فساكن هذا المكان يعد عالقًا بين الاثنين، لا يحيا ولا يموت.

كان في البداية يسأل نفسه في كل لحظة ” ما الذنب الذي ارتكبه كي يقضي ما تبقى من حياته وحيدًا حبيسًا لا يتنفس ولا يرى شعاع الشمس؟” فالأمر كله حدث فجأة بلا أي حسبان . كان يعد نفسه لعامه الجامعي الأول . متحمس جدًا لبداية حياته الجديدة في الجامعة التي اختارها. متحمس لصداقات جديدة و عالم جديد. و لكونه صاحب رأي منذ الصغر و قلم يُعبر و يسطر كلمات تعارض و تدافع و تصرخ في وجه الظلم، و لأنه كان مقتنعًا أن من حقه الاعتراض على ما لا يرضيه، كان يسير في احدى المظاهرات التي لم تُسفر عن أي عنف. لكنه سوء الحظ، فقد تم القبض عليه بتهم عجيبة لم يكن يعرف لها أصل أو تفسير، بعضها بسبب سيره في المظاهرة و البعض الآخر بسبب ما كتبه في بعض من الصحف أو على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي، و تهم اخرى لم يكن يعرف لها منبع. ثم حُكم عليه في النهاية أن يقضي خمسة عشر عامًا في السجن ! و هو الفتى الذي لم يبلغ من العمر سوى ثمانية عشر عامًا. الفتى الذي تفيض روحه بالأحلام و الطموحات التي كان يعتقد أنها ستجعل منه و من حياته و من مجمتعه شئ أفضل مما هم عليه.

ظل حبيسًا لكن كلماته أبت الخضوع، كلماته رفضت التنازل عن الحرية مهما بلغ الثمن، حتى و إن كان الثمن حياته كلها، فكلماته لن تصمت أبدًا. كان يكتب لأنه رأى شئ ما ينبض بداخله قادرًا على الشعور بالحرية و التنفس، كان يكتب لأنه ما زال يؤمن أنه صاحب تأثير و لو ضئيل على من ستمر عليهم كلماته. كان يكتب بكل ما أوتي من قوة، كأن عقله و نبضات قلبه و جزيئات روحه و بقية تفاصيله كلها تجتمع حين يمسك بالقلم و يبدأ بالسرد. كانت الكتابة تحييه من مماته المُخيف و تحيي من يقرأ كلماته. كلما مر عليه أهله في زيارة أرسل معهم رسالات و خواطر و مدونات كثيرة، بعضها يبث فيهم و فيمن حوله الأمل. و البعض الآخر يُشعرهم بوطأة الظلم و الموت البائس الذي يعيشه كل ثانية في هذا المكان الفاقد للرحمة.

كان مثقفًا يحدثهم في كتاباته عن أمور شتى في الفلسفة و التاريخ و السياسة. يجعلهم يفكرون و يتعجبون من قدرته على الحكي بهذا المنطق السليم و العقل النشيط و كأنه يعيش حياة عادية كغيره. يجعلهم أحيانًا يشعرون بقمة الأمل و أنه عائدًا إليهم لا محالة. يجعلهم يتوقعون قدومه في أي لحظة. ثم يُخبرهم أن القدر كتب عليه استكمال ما تبقى من حياته هنا، إذا كان لها بقية من الأساس. كثيرًا ما تعرض للإهانة و التعدي بسبب كتاباته و أوراقه المتناثرة من حوله. لكن كل ذلك لم يزده إلا تمسكًا بقلمه و كلماته. فماذا تبقى لديه كي يسلبوه إياه ؟! سلبوا منه حياته و آماله و زهرة شبابه، سلبوا منه ضحكته و صوته و نشاطه، سلبوا منه الأمل و سلبوا منه النبض. و ظلت كلماته ثائرة صاخبة، تيأس أحيانًا و تتراقص فرحًا أحيانًا أخرى. ظلت كلماته تمده ببقايا من الحياة التي غابت عنه طويلًا  بلا ذنب.