سبعٌ عاشوا في حياتي

سبعة فارقة في حياتي، سبع جمل حوَّلوا مسارها، سبعٌ حين طرقوا طبلة أذني أحدثوا إيقاعاً مختلفاً عن سابقيهم.



أبطالٌ في حياتنا جميعًا. لم يدركوا يومًا قوتهم الخارقة، بل إن معظمنا لا يستطيع على وجه الدقة تحديد منفذ طاقتهم. استطاعوا بأقل قدر ممكن من الحروف دلّ أفكارنا و تبسيط عقد واجهتنا بسحر توجيههم. سبعة فارقة في حياتي، سبع جمل حوَّلوا مسارها، سبعٌ حين طرقوا طبلة أذني أحدثوا إيقاعًا مختلفًا عن سابقيهم. سبع جمل عندما قيلوا لي يومًا دون شعور قائليهم بأهميتهم في حياتي، قدمت لهم زخات شكري.

                                   (١)

“مهما زادت مشاكلك بتعدي”: على الرغم من كونها نصيحة دارجة قل مفعولها على العقل لكثرة تداولها في المسلسلات العربية الركيكة، حتى أن حُمُّص القهوجي دائمًا ما يقولها وهو يرنح يده بين الأمام و الخلف بعد أن يخرج نفسًا من سيجارته المحلية الرخيصة، إلا أن أبي حين قالها طلب مني أن أتمعن جيدًا في تفاصيلها، فحفظتها، وأبقيت عليها بين ثنايا ضلوعي. فما انفك أن ألجأ إليها لتكون دواءً مسكنًا لأعمق جروحي، أو حبات طعام صغيرة تصَبّر حتى موعد الغذاء. فشكرًا على لفت انتباهي أن الأوقات السيئة ليست هي الأسوأ على الإطلاق، فلنستمتع.

                                     (٢)

“أنت طالب بأُمَّة” : أستاذي العزيز، الذي صنع مني طالب شغوف، اجتمع بي في آخِر أيام السنة الدراسية، قبيل امتحانات الثانوية العامة. تلك الأيام التي يتذكرها ابن الستين مثل البارحة، حالتي النفسية كانت مضطربة للغاية، لم أجد حينها إجابة مشبعة و مجدية لكل حيرتي، فما العائد من كل ذلك التعب؟، ماذا فعل من حققوا هدفهم في نهاية تلك السنة قبلي؟ وما هو المستقبل من الأساس في هذه الدولة؟، حتى يأتي أستاذي ليميل على أُذني و يخبرني نصًا: “عينيك بطلت تلمع كل ما أجيب سيرة المجموع زي الأول، كمل يا أحمد، كمل يا أحمد علشان أنت طالب بأُمّة”، و كانت لكلماته مفعول السحر! فشكرًا يا معلم الأمة.

                                     (٣)

“أنت تعلم هذه الأمور”: لكل منا شغفه الخاص، و لكل منا سبب دفعه لذلك الشغف. أما أنا، فشغفي كله بورقتي وقلمي. و أحد أهم أسبابي هو التعثر بذلك العرّاف، ملهمي الأدبي و كاتبي المفضل “أحمد خالد توفيق”، هو و جملته العبقرية، أولئك الاثنين أدين لهم كثيرًا. إن كنت شخصًا محبًا للكتابة، و جلست لتكتب عن ذلك السيناريو المعقد في رأسك. وفجأة، تعجز كل الحروف عن وصفه، وتتجمد كل مهاراتك لوصف خيالاتك. فما عليك إلا أن تحكي الموقف ببساطة و تضع جملته في آخر الكلام لتصل بالمعنى المرغوب فيه للقارئ و تقدمه له على طبق من فضة، و كأنهاحجرٌ ثمينيليق بأي حائط فتضعه ليناسب المعنى.
نعم، أنت تعلم هذه الأمور!

                                    (٤)

“خيرٌ خيرٌ”: هي خير وسيلة لإنهاء الكثير من الحوارات المملة. ولكنها بتكرارها في كل محادثاتي مع صديقي، الذي يخالفني في الفكر، و تلقينه إياها لي، أقرت في قناعاتي الداخلية أن كل ما يحدث حولنا -أعجبت به أو كرهته- هو خيرٌ خيرٌ.

                                     (٥)

“استفتِ قلبك”: لا يخلو أي دين من النقاشات حول صحة تفسير أمر إلهي أو شأن نبوي. علمني أبي دائمًا الوسطية، أن أدرس القضية التي تشغلني وأطلع على كل آرائها المختلفة، أتعرّف على رأي المذاهب المختلفة بها، وفي النهاية أستشير قلبي وأفعل ما هداني إليه و أنا مطمئن. فلم يخلق لنا الله عقلًا يسانده قلبٌ لنتبع آراء غيرنا اتباعًا أعمى.

                                  (٦)

“أنا مراهن عليك”: في ثاني أو ثالث حوار بينك و بين رئيسك في العمل، يأتي و يقول لك: “أنا مراهن عليك، أنت مفتاح اللعب السنة دي”. فماذا تنتظر من ذلك الموظف إلا أن يفني وقته سعيًا لنجاح ذلك العمل؟ و لماذا تستعجب عندما يتوج رهانك بالنجاح و يكون هو الأفضل في نهاية العام؟
أن تتقبل كل أعذاره بقلب رحب، أن ترشده بطريقة يشعر منها بأخوة صادقة ليس حتى مجرد صداقة عمل،  فاعلم حينها أن كل كتب إرشاد نجاح القادة و محاضرات التنمية البشرية بمثابة جناح بعوضة بجانب قلب هذا القائد.

                                    (٧)

الجملة السابعة و الأهم، كي لا يختلط عليكم الأمر أني لم أكتبها في بداية الكلام فأعلمكم أني لن أكتبها !، و هذا ليس إلا لأنها خالية من الحروف الأبجدية. فبحسب ما أرى أن الكلام حين يكتب باهتمام، يصيب المعنى العقلي حقاً، و حين يقال بنبرة صوت معينة يؤثر في أعماق المستمع النفسية. أما حين يكون الكلام على هيئة أفعال، في صورة مشاعر معطاة، أو حتى مُتَّٓخِذ شكل دعوات و ابتسامات، فيكون أسرع في طريقه لقلب المُتَلقّي، أقوى في تأثيره، و أجدى في دفعه إلى الأمام. فأمي بروحها التي تحيطني في كل مكان، بتعب جسدها الظاهر في ترتيب حياتي، بنبحة نبرات صوتها في الدعوات، هي أقوى دافع لي في كل لحظات اليأس وأوسع فرحة بي في لحظات النجاح و أكثرهم رقة وتشجيع في لحظات التعب.