مارك توين .. الأديب الساخر الذي تنبأ بموته

"لقد جئت إلى هذا العالم مع مُذنّب هالي سنة ١٨٣٥ وها هو قادم ثانية العام القادم وأنا أتوقع أن أذهب معه"



تحرير: روان ياسر

كانت حياة مارك تواين سلسلة من المصائب. فهو الطفل المشاغب الذي ظفر بعداء الجميع، وهو الاقتصادي الفاشل الذي عاني من الإفلاس، وهو البائس الذي رأى أخاه يحترق، وهو الزوج الذي فقد أفراد أسرته وظل وحيدًا. لكن و على الرغم من كل ذلك، فقد كان مارك تواين أحد أهم مؤسسي الأدب الساخر في العالم؛ فهو لم ينجح فقط في سخريته من أوجاعه، بل إنه نجح أيضًا في أن يسخر من الحياة ذاتها، حتى إننا مازلنا نتذوّقُ سُخريَتهُ تِلك حتي الآن في العديد من أقوالِه المأثورة؛ فهو القائل: “كان من الرائع أن يتم اكتشاف أمريكا، ولكن الرائع حقًا لو لم يتم اكتشافها.”  وقال أيضًا: “من قال إن الإقلاع عن التدخين صعب؟ إنه سهل للغاية فقد قمت بذلك ٥٠ مرة.” والآن تعالوا نتعرّفُ معًا على عالَمِ الأديب العظيم و الساخر الأكبر:مارك تواين.

وُلِدَ مارك تواين في الثلاثين من نوڤمبر عام ١٨٣٥  في ولاية ميزوري الأمريكية باسم صمويل لانغهورن لعائلة متواضعة، فقد كان أبوه تاجرًا وكان صمويل هو السادس في الترتيب بين سبعة إخوة لم يتجاوز منهم مرحلة الطفولة بخلاف صمويل إلا ثلاث فقط. تُوفِيَ والد صمويل في وقت مبكر من حياته، و قد أدّي ذلك إلى إجباره  على العمل في سن الحادية عشر كي يدعم أسرته. تلك المُعاناةُ  المُبكرة غرزت فيه نوعًا من التعاطف مع الطبقة العاملة، ومع بداية عام ١٨٥١ بدأ بكتابة المقالات الساخرة لجريدة هانبل التي كان يملكها شقيقه أورين، وفي الثامنة عشرة من عمره غادر مدينتهُ وعمل في الطباعة في مدينة نيويورك وبدأ في تعليم نفسه بنفسه في المكتبات العامة في الفترة المسائية؛ و هكذا اكتشف تواين طريقًا أفضل للمعرفة أغناه عن عدم التحاقه بالمدارس التقليدية.

في الثانية والعشرين من عمره عاد تواين إلي ولاية ميزوري، وفي إحدى رحلاته في نهر المسيسيبي قرر العمل كقائد للسفن البخارية. استغرقت دراسة تواين لنهر الميسيسبي عامين قبل أن يأخذ الترخيص للعمل كقائد للسفن البخارية و ذلك لأن هذه المهنة كانت تتطلب معرفة وافية بكل تفاصيل النهر. كانت هذه المهنة تُدّرُ علي صاحبها دخلًا وفيرًا لذلك استطاع تواين في أثناء تدريبه إقناع شقيقه الأصغر هنري بالعمل معه. و قد لقي هنري مصرعه إثر انفجار سفينة بخارية كان يعمل عليها وقد شعر تواين بالذنب والمسؤولية عن مصرع أخيه طوال حياته.

استمر تواين في عمله الذي يحب إلى أن اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية، مما أدي إلي توقف التجارة النهرية واضطره ذلك إلى امتهان مهنة بديلة، حيث كافح مرة أخري من أجل تأسيس نفسه. انتقل تواين بعد ذلك إلي سان فرنسيسكو حيث بدأ في ممارسة العمل الصحفي وحقق أول نجاحاته الأدبية عندما نشر قصته “ضفدع كالاڤيراس النطاط” وهي القصة التي لفتت الأنظار الى تواين وحققت له الشهرة ووضعت الأساس لحياته المهنية الناجحة ككاتب.

سافر تواين إلي البحر المتوسط بتمويل من إحدى الصحف المحلية، وفي هذه الرحلة تعرّف تواين علي تشارلز شقيق زوجته المستقبلية، يقول تواين أنه عندما رأي صورة شقيقة صديقه أوليڤيا أحبّها من النظرة الأولي. التقي تواين بأوليڤيا عام ١٨٦٨ وفي العام التالي أعلنا خطبتهما ثم تزوجا بعد ذلك بعامين. عاش الزوجان حياة سعيدة ورُزقا بطفل إلا أنه تُوفِيَ بعد تسعة عشر شهرًا فقط. انتقل الزوجان بعدها الى مدينة هارتفورد و أصبح منزلهما مُتحفًا قائمًا حتى يومنا هذا. دام زواج تواين وأوليڤيا أربعة وثلاثين عامًا وضعت أوليڤيا خلالهم ثلاث فتيات، و في عام ١٨٩٦ تُوفِيَت إحدى فتيات تواين مما أدى إلى إصابته باكتئاب شديد و قد ازداد حزنه بعد وفاة زوجته أوليڤيا عام ١٩٠٤.

استطاع تواين كسب الكثير من المال بسبب رواياته واستثماره في مشاريع أخرى، لكنه اضطر إلى إعلان إفلاسه بعد فشل هذه المشاريع و فشله في الكتابة بشكل مُتكرّر. كان تواين أيضًا مُغرمًا بالعلم، وكان صديقًا للعالِم العبقري نيكولا تسلا، وكان يقضي الكثير من الوقت في معمله، وقد حصل تواين نفسه على ثلاث براءات اختراع.

وفي إحدي حواراته قال تواين ساخرًا: “لقد جئت إلى هذا العالم مع مُذنّب هالي سنة ١٨٣٥ وها هو قادم ثانية العام القادم وأنا أتوقع أن أذهب معه” وقد صدقت نبوءته بالفعل إذ تُوفى بأزمة قلبية في الثاني من أبريل ١٩١٠ بعد يوم واحد من اقتراب المذنب هالي، وهو المذنب الذي يأتي إلى الارض كل ٧٥ عام.  وفي مقدمة سيرته الذاتيه خاطب تواين القارئ قائلًا أنه يتحدث إليه من القبر حرًا طليقًا بعيدًا عن قيود هذه الدنيا.