كأن الكون لا يرقص معنا

هو الآن يتحرك ويرقص كما رأى الآلهة في الأحلام. لم يعد فنان، ولكنه أصبح الفن نفسه.

هو الآن يتحرك ويرقص كما رأى الآلهة في الأحلام. لم يعد فنان، ولكنه أصبح الفن نفسه.

تحرير: ندى أبو اليزيد


 “نوح الحمام والقمري ..
    على الغصون ..
غصون يالاللي”

لا أحتاج دائمًا إلى صحبة لكي أخرج من البيت. ففي بعض الأحيان، أجد متعتي في التجوال، وتفقُّد الناس من حولي. أنظر إليهم، وأتخيل ما يجول في رءوسهم مع الموسيقى. أنا لا أنكر أنني لا أكون في أتم سعادتي وحيدًا؛ فأنا لا أؤمن بنظريات العزلة والانطواء والبعد عن العالم، وما نحن إلا نتاج لهذا العالم ..  تطورٌ، نَنبثِقُ منه لنعيش لحظات في عمر الكون. فلماذا نضيعها في البقاء في معزل عن الكل؟ ونحن جزء، لا حيلة له، ولا قوة، إلا سويًا. سويًا نحن أقوى، سويًا، أنا وأنتم، أنا وهي، أغوص في روح الكون.

“حبيت أنا أُقبّل ثغره ..
قال لي كلام ..
كلام بنظام ..
حبيت أنا أقبّل ثغره ..
قال لي كلام ..
كلام، يالاللي

ظهرت حبيبة، اعترضت طريقي، تبتسم، و يديها وراء ظهرها. ترتدي ألوانًا كثيرة: أصفر، أزرق، أخضر، أحمر، أبيض. شعرها يغطي ذراعيها واصلاً لمرفقيها، شعرٌ أسود كسماء الليل، أكاد أراه مرصع بالنجوم، وهي في المنتصف، نجمة متوهجة، تجذبني. وجهها مدبب، و أسنانها بيضاء ناصعة. كانت تلبس رداءًا يكشف عن ذراعيها، و بنطالاً واسعًا.

أمسكت بيدي، وأخذت تُسرع، حتى بدأت في الرقص. رقصة أعرفها، وكانت تدعوني بعينيها لأرقص معها. والرقص، هو ارتفاع عن العالمين. وجدتُ نفسي أُلبي .. أرفع يدي اليمنى، أُنزل اليسرى، قدم للأمام، والأخرى للخلف، أدور، أقترب من الأرض، أرفع رأسي، أمسك بيديها، نرتفع معًا، نتقدم للأمام، وأنظر إليها، وأنظر بداخل نفسي؛ فأراها مرآة، وأرى نفسي فيها، أراني بدونها هباء، وأرى الكون فيها.

“ياما دللوك حلوة يا وردة ..
ياما دللوك، ملوك يالالي ..
ياما دللوك حلوة يا وردة ..
دللوك يالالي ..
من عشقي فيك وجعلتك وردة ..
زرع الملوك ..
مسكين قليب العاشق آه ..
ياما يقاسي”

ينظرون إلينا بتعجّب، لا أدري لماذا؟ وكأن الموسيقى حرام على آذاننا. وكأن الرقص حرام على أبداننا. وكأن الكون لا يرقص معنا. كأن الفرحة ممنوعة. ألا ينظرون إلى السماء؟ ها هو ذا، هلال اليوم، تجول به حمرة، حمرة خجل مما يراه كل يوم. لا يعرف ماذا يقول لروح الكون عنكم! هو ينير ظلمة الكون، بينما تنتشرون أنتم بالكراهية بين ثنايا ضوئه، كما يتفشى سم الأفعى في الدماء.

و نحن هنا -بسعادتنا- كالمصل، نتحرك بسرعة، نحو القلب، لنكون له حراسًا مما هو آتٍ، منكم أنتم. فلا نجد من يبتسم الآن فيكم، إلا الأطفال، الذين يعود الفضل لحبيبة في رسم هذه الابتسامة على وجوههم. أما عني أنا، فأنا ما زلت أطير، أقصد .. أرقص. 

“مع الرقص والغناء، يضع المرء نفسه مع مجتمع أرقى، لقد نسي كيف يمشي ويتكلم، وعلى وشك الطيران، والرقص في الملكوت. كما يتكلم الحيوان، وتنضح الأرض بالعسل واللبن، هو الآن كالأصوات الخارقة، هو كالإله، هو الآن يتحرك ويرقص كما رأى الآلهة في الأحلام. لم يعد فنان، ولكنه أصبح الفن نفسه.”

  • نيتشه، مَولِد التراجيديا.