كبسولة زمنية

أشفق على ابني عندما أقول له: ما الفرق بين الإنسان و الآلة ؟ فيقول : الآلات لا تخطئ و لا تموت !



تحرير: آلاء محمود

 

الوقت: عام 2228 مـ

المكان: صحراء لاس فيجاس

المتكلم: مذيع في قناة الأرض

 

كما ترون على شاشاتكم، اجتمع مجموعة من العلماء، ورؤساء الدول، وعلماء الدين، واللغويون، ومن خلفهم مئات الألوف من الجماهير الصاخبة…

عشرات الروبوتات خلفي تتحرك في الصحراء، تتوقف لحظات، ثم تستكمل جولتها لتجد ما خبّأه لنا الأجداد منذ قرنين.

الكل يفيض حماسًا وشوقًا ليعلم كيف تصوّر أجدادنا المستقبل وكيف وصفوا الماضي…

 

ها هي الكبسولة الزمنية التي زُرعت منذ مائتي عام، و لم تفلح المحاولات المستمرة في تدميرها أو طمسها! عشرة آلاف ورقة، ومئات الساعات المسجلة ستنشر خلال الأشهر المقبلة…

ها هو رئيس أوروبا يتسلّم أول ورقة؛ ليقرأها أمام العالم، معلنًا بذلك تدشين هذا الحدث العظيم.

الكل ينتظر بلهفة؛ ليعلم ماذا كتب شخص ما، سار على هذه الأرض قبل أن يولد أجداد أجدادنا…

كيف كان استقبال الشعوب لفكرة وجود شعوب أخرى في الكون؟

كيف كان استقبال الشعوب لأول حديدي يعيش بينهم كواحد منهم؟

كيف كان هذا العصر، الذي طُمست آثاره جميعًا؛ فلا نعرف عنه سوى أنه شهد تطورًا كبيرًا، قبل أن يُصدر القرار بالتخلص من كل شيء قديم أو تراثي عام 2100؟

 

بالرغم من حكمة الأب الأعظم، في قراره بطمس التاريخ و القضاء على كل شيء رجعي أو قديم، إلا أنه بموت آخر من عاصر القرن العشرين فقدنا الكثير؛ حتى أننا لا نعلم مَن هذا الذي ولد منذ 2228 عام ونحتفي بمولده إلى اليوم!

ما الأمل الذي تمنوه؟

ما المشاكل التي واجهتهم؟

كيف كان حنينهم البائس إلى الماضي؟

هل كانوا يتناسلون بنفس طريقتنا؟

هل كانوا بالفعل ذكورًا و إناثًا فقط؟

هل كانت حضارتهم تستحق الفناء والاندثار؟

 

ها هو يبدأ القراءة!

” أنا اسمي … لا أعتقد أن هذا سيعني لكم شيئًا … و لا أعتقد أن أي شيء أصبح يعني لكم شيئًا ..

أودكم -يا من جئتم إلى كون يسوده الظلام- أن تعرفوا أنه قد كان نورًا حبًا وأملًا ..

وُلدت في اللحظات الأخيرة من الألفية الثانية ..

ورأيت معنى الحب ..

ورأيت معنى الإنسان ..

ورأيت معنى السلام ..   

 

وإني أشفق عليكم يا من ستأتون إلى كونٍ خاوٍ من تلك المعاني!

أشفق على ابني عندما أقول له: ما الفرق بين الإنسان و الآلة؟

فيقول: الآلات لا تخطئ و لا تموت!

وأشفق عليه حين يجتهد في التفريق بين وجه الإنسان ووجه الآلة، فلا يقدر …

أشفق عليكم يا من ستظنون أن الأديان هي السبب في القتل و الدمار والغضب …

أشفق عليكم يا من ستجهلون معنى الورقة والقلم !

 

أنا أحمد الله على أن هذه الأيام هي الأخيرة من عمري؛ إذ سأموت إنسانًا وحولي بشر، ليسوا كثيرين لكنهم موجودين …

أنا أحمد الله أني قد رأيت وجه الإنسان، قبل أن يتحول إلى مسخٍ، يشبه هذه الوجوه الصفراء الصغيرة التي نستخدمها في محادثاتنا للتعبير عن مشاعرنا، وهي التي قتلت معنى الشعور ..

أنا أحمد الله أني قد رأيت معنى الحب الحقيقي، عندما ينظر العاشقان إلى بعضهما، ويقول أحدهما بقلبه ثم بعينه ثم بلسانه: أحبك.   

كم تألمت لما رأيت ولدي يشاهد فيلم “فيكتور فرانكنشتاين” ثم يسألني: “ولماذا هذا مسخ؟ إنه شخص حي ويتنفس ويتكلم، التجربة قد نجحت!”

و لا أعلم إذا ما كان أحد سيفهم هذه اللغة …

و لا أعلم ما قد يفيد قولي .. لكني فقط أريدك أن تعلم يا من تقرأ …

أريدك أن تعلم أنه قد كان هناك شيء اسمه دين ..

و شيء اسمه خير ..

و شيء اسمه قلب ..

ولم يكن عضلةً تنبض بلا معنى …

و أنه في يومٍ من الأيام كان هنالك شيء اسمه حب، وأنه لا يُكتب على ورق ولا تعبر عنه الفوتونات والإليكترونات. إنها كلها رموز لما لا يشعر به إلا الإنسان، ولا أظن أن هناك إنسانًا يقرأ كلامي.

 

إننا ..نحن .. بالطبع ينظر الجميع إلى بعضهم وإلى اللغويين ..

إني مثلكم تمامًا لا أفهم نصف ما سمعت، و لكن الرئيس الضليع باللغات القديمة يفهم القليل أو الكثير مما قرأ تقريبًا، ويقول إنه سيترجم بعبارات سهلة هذه “الطلاسم”!

بعد حذف كلمات مثل “الحب” و”الإنسان” وغيرها مما ليس له معنى ..

و إلى أن نعود إليكم، استمتعوا بهذا التقرير عن آخر الشموس المكتشفة، التي قد تحمل معها حياة جديدة!