بين الأسطورة و الخرافة

هنا نفكر بشكل منطقي كي نحاول الوصول إلى الحقيقة فالحقيقة صعبة المنال وليس بالضرورة أن تجدها في عالمنا هذا



تحرير: آلاء محمود

سقط جسدي النحيل فجأةً في بركة من الوحل أو ما يشبه الوحل، لم أتيقن لأن المنظر هنا معتم للغاية، لا أكاد أتبين حدود جسدي من شدة الظلام وغبش الوحل الذي يغمرني، يشل حركتي ويحول دون انتصابي على قدم، بدأ الوهن يدب فيّ واليأس آخذ في الضحك على محاولاتي التعسة في الفرار، أخذ الوحل يزداد عليّ ولم يعد في صدري متسع لهواء أتنسمه، عقلي يطن وقلبي لا يدق بل يرتعش، شعور الموت بات قريبًا إلى ذهني وطفقت عضلاتي ترتخي تحت إثر الإرهاق من منافسة الوحل، لم أكن لأتوقع أن تكون تِلكم نهايتي، ولكن تأتي النجدة دائمًا في أحلك اللحظات كما الفجر بعد ليل بارد طويل. وفجأة، أحسست يدًا تمتد لنجدتي، تأخذ بيدي، تزيح الوحل وتكتب عددًا أكبر لدقات قلبي.

وقفت على قدمي بعد أن ظن ظلي أن لا تلاقي، حمدت الواحد ونظرت بعينٍ لا تكاد تميز شيئًا من الظلمة لذاك النبيل الذي أخذ بيد الغارق في الوحل وأنجده، لا بد أنه فارس، لا بد أنه مغوار، أصلاح الدين مجددًا، أم تحتمس الثالث في زِيه الجديد؟ لا بد أن يكون طويلًا، فارعًا في الطول أيسره، لا بد أن يكون شابًا، عنفوانه بارع وذكاؤه لامع، كان صورةً من الكمال في عقلي؛ ولكني وجدت نورًا بدا خافتًا ثم اشتعل ليضيء أركان المكان، وتكشَّف الحجاب وظهر الرجل في منطقه الحقيقي الغريب الصادم، لقد كان شيخًا أشيبًا مشتعل الرأس واللحية من البياض، ظهره به تقوّس، وأحد رجليه أطول من الأخرى، تكشف الرجل عن مقابل ما كنت أتخيله، ولكن هيهات وهو المنقذ القدير.

نظر إلي الشيخ نظرة استفهامٍ غريبة مقلقة حتى أنّ لساني أبَى الكلام من حدة النظرة، وقفنا برهةً ننظر لبعضنا البعض دون كلامٍ، ثم فجأة نطق الشيخ بصوت أكثره الحشرجة وقال: “ما الذي أتى بك إلى هنا؟” تعجبت من سؤاله، ولكني تذكرت ما حدث قبل أن أسقط في الوحل، تذكرت أني كنت جالسًا أفكر في الفرق بين الأسطورة والخرافة، إن كان ثمة فرق أصلًا. وفجأة انطفئت الأنوار ووجدتني أنا والوحل في نزال، فأتبعت سؤاله “لقد كنت أفكر ب….” قاطعني مبتسمًا وقال: “تفكر!” وأخَذ في الضحك كأني لم أعتد التفكير قط. قلت: “نعم، كنت أفكر في الفرق بين الأسطورة والخرافة” استدار الشيخ فجأة وقال: “اتبعني”.

“أتعلم أين نحن؟” قالها وهو ما يزال يسير أمامي، فقلت في هدوء: “لا”، فقال: “جيد”. وبعد فترة من المسير قال: “إذن كنت تريد أن تعرف الفرق بين الأسطورة والخرافة؟” قلت: “أحب أن أعرف أين أنا أولًا.” قال: “بسيطة، نحن في عالم التفكير، ألم تكن تفكر قبل الوقوع في الوحل؟” قلت: “نعم؛ ولكن ما عالم التفكير؟” قال: “هو عالمٌ للتفكّر في كل شيء في عالمكم، وإعمالٌ لقاعدة ابن خلدون الشهيرة، عالم مذهل؛ هنا نفكر بشكل منطقي كي نحاول الوصول إلى الحقيقة، فالحقيقة صعبة المنال، وليس بالضرورة أن تجدها في عالمنا هذا، ولكن كن على يقين دائمٍ يا بني أن الحقيقة موجودة”. أسقط بيدي، لا أقوى على الكلام، بالكاد تتحرك قدماي وراءه، ترتعش أطرافي من الرعب وبات عقلي يدور في دوائر متداخلة حتى أنقذني منها الرجل بقوله “لا تقلق، ستعود لعالمك حالما تدرك الفرق بين الأسطورة والخرافة.”

وقف الرجل عند مكتبة عظيمة الارتفاع، ترتص فيها الكتب بجلال وخشوع باهرَيْن، التمعت عيناي للمنظر فأتبعها الشيخ “الحقيقة دائمًا هنا” وأشار بيديه التي أنقذتني إلى المكتبة الكبيرة. “أتعرف خرافة؟” قالها ولكني لم أُحِط بمرماه فاستعجبت. فقال: “خرافة هو رجل عربي قديم من بني جُهينة، ادّعى أن الجن اختطفه ثم بدأ يحكي عن عجائب عالم الجن، وأن به الجن الأحمر والعفاريت الزرق، ومعظم موروث الحكايات عن الجن، فسُمّيَ حديثه وكل الأحاديث الأخرى على شاكلتها بأنها حديث خرافة!”

ثم أخذ نفسًا عميقًا وأتبع: “فالخرافة يا بني هي المرسَل من الحديث مما لا دليل عليه ولن نتمكن من الاستدلال عليه. أما الأسطورة فهي الحديث المبني على التنبؤ والعرافة. فحكاية إيزيس وأوزوريس وست أسطورة لأنها تتنبأ بميزان القلب بعد الموت، وحكاية زيوس وأفروديت وأبوللو أسطورة أيضًا لأنها تتنبأ بالمقام بعد الموت؛ أهو جزيرة البركة في شعاف جبال الأولمب، أم نهر النسيان أم هاوية هيدز. وغيرها من الحكايات الأسطورية، أما الفرق بينها وبين الخرافة، فإن الأسطورة قد تصبح يومًا ما خرافة وليس العكس.”

شعرت أنه أتمَّ حديثه ورأيته يطرق أذنيه مستعدًا لتناول الأسئلة، فبادرني ذهني بسؤال “هل القدس لليهود فقط حقًا؟” ابتسم، ونظر إلى أسفل ثم سدد بصره لحدقتيْ وقال “الأرض الموعودة، تلك هي الأسطورة الخرافية الوحيدة”.

“والآن عد يا بني إلى عالمك ولا تفكر مجددًا في أي شئ، لا تستخدم عقلك، فيُرديك الوحل”.