الجنون

ربما ولدنا جميعًا مجانين ثم عقّلت الحياة بعضًا منّا بقسوتها وأبقت آخرين على حالهم، ولربما حدث العكس



تحرير: آلاء محمود.

منذ أن كنت صغيرة، علقت في ذهني قصة عن ذلك الطفل الذي كان يأتيه يوميًا رجل، يعرض عليه ورقتين من فئة الخمسة جنيهات ومن فئة الربع جنيه، وكان دائمًا يختار الأخيرة؛ فيسخر منه الرجل وينعته بالمجنون، ومرت الأيام والرجل يفعل الشئ نفسه،  فيأتي في كل مرة ويضحك ويذهب، وفي يوم سأل الرجلُ الولدَ باستهزاء: لماذا تفعل ذلك؟ أجابه: إذا أخذت الخمسة جنيهات ستنتهي اللعبة، ولن أحصل علي شئ، ففوجيء الرجل بدهاء الولد الصغير الذي غلبه.

كان ذلك بداية اعتقادي أنّ ربما ما يعتبره أحدهم جنونًا هو فقط شئ بعيد عن عاداته، والمألوف الذي يعيشه ويراه في النماذج المحيطة به، أو حتى عن تلك الحدود التي وضعها لنفسه وأبى أن يخرج عنها حتى صارت أسوارًا يعتبر كل ما هو خارجها جنونا.

لا أريد أن يبدو الموضوع فلسفيًا أو منافيًا لحقائق علمية مثبتة منذ سنوات؛ لكن لا أحد ينكر أن لدى كلٍ منّا أشياء غريبة يتمنى أن تُتاح له الفرصة لفعلها. أليس من الغريب ألا يوجد طفل خلت طفولته من أمنياتٍ كأن يدخل التلفاز، يطير كالأبطال الخارقين، ناهيك عن الحديث مع العرائس، وخلق الكثير من القصص، ووجود عشرات الأشخاص الخيالية التي يختلقها ذهنه؟!

ربما ولدنا جميعًا مجانين ثم عقّلت الحياة بعضًا منّا بقسوتها وأبقت آخرين على حالهم، ولربما حدث العكس، أن خُلق الجميع بعقولهم ولم يستطع البعض أن يتحمل كل تلك التخبطات والأحداث؛ فتنازل عن جزء من ذلك العقل الذي يرغمه على إدراك كل ما يدور. كم يصعب في كثير من الأحيان أن تحاط علما بكل ذلك!

لا يذهب عن ذهني إسماعيل ياسين في شخصية (قنديل) في فيلم”المجانين في نعيم”، حينما عاد متوسلاً البواب في مشفى المجانين أن يدخله مرة أخرى، مخبرًا إياه كم هم مُنعمين هنا، وكم أن الحياة بالخارج لا تبدو كما يظنون؛أي أن العاقلين ربما يختاروا الجنون؛ هاربين من جديّة معيشتهم، فهل يكون ذلك جنونًا؟! وإذا كان كل ما نعايشه من تكنولوجيا، ما هو إلا أفكار جنونية لأشخاص اتهمهم الجميع بالجنون آنذاك، فهل يعد ذلك أيضًا جنونًا؟!

إذا ما بحثنا عن تعريف الجنون، فهو كل سلوك شاذٍ يقوم به الشخص بدون وعي أو إدراك رغمًا عن إرادته؛ والذي يؤدي إلى انتهاك المعايير الاجتماعية، وقد يشكل هذا الشخص خطرًا على نفسه والآخرين. كم يبدو ذلك التعريف قريبا منا جميعا! كم من مراتٍ فقدنا فيها السيطرة على أفعالنا متسائلين كيف فعلنا ذلك، كأننا لم نكن الأشخاص ذاتهم حينها! وكم خرّبنا من مواقف وأضعنا من فرص والجميع ناظرون باستغراب شديد على بعض المواقف التي اتخذناها أو العادات الفردية التي تمسكنا بها؟ كم أذينا أنفسنا ومَن حولنا دون أن ندرك! كم مررنا بلحظاتٍ حقًا لم نعِ فيها ما نفعل! إذا يبقى السؤال الذي يطرح نفسه، هل يتعرض من هم في تعداد العقلاء لنوبات من الجنون؟ أم أن الخروج عن المألوف ومثل كل ما ذكرت هو جزء يكمل العقلانية؟

ماذا عن أولئك الذين يدّعون أنهم يعرفون لغة الحيوان، ومن يقضون شهورًا لعبور المحيط أو لتسلّق الجبال وهم يعرفون أنهم معرضون للموت في أي لحظة؟ لماذا يعتبر ذلك تحديًا أو إنجازًا ونصم بعض السلوكيات الأخرى بالجنونية؟! سواءً ،اختلفت معي أو اتفقت، لا تستطيع إنكارحقيقة أنّه وفقًا للتعريفات السائدة للجنون لسنا عقلاء تمامًا، وأن الجنون شيءٌ نسبيٌّ يعرفه كل منا، وفق ما يجده مناقضًا له ولشخصه. وأخيرًا، أنه لا يوجد شخص قادر على تحديد تلك الشعرة بين العقل والجنون، مهما تكاثرت التعريفات حولنا.