الحنين إلى الماضي

كلما نكبر تزداد مشاكلنا و تثقل مخاوفنا ونحتاج ما يلملم جروحنا و يذكرنا بأجمل ما فينا



تحرير: أندرو إدوارد.

في وقت الغروب، الذي يذيبني داخل خيوط أشعة الشمس الذهبية و يسكنني دفئها قبل أن تلملم خيوطها لترحل و معها ذكريات يوم من عمري، جلست في الشرفة. كنت أحتسي كوب الشاي العظيم، الذي يملأني بالراحة النفسية، واضعة قدمي فوق منضدة صغيرة و تداعب نسمات الهواء خصلات شعري لأشعر و كأنني “فتاة إعلانات” على أنغام عود سيد مكاوي، الذي يتدفق بكلماته إلى عروقك كالسحر.

 

يومها فتشت في مكتبتي الصغيرة عن مذكرتي، فأنا دائمة الكتابة لمذكراتي منذ كنت طفلة. أثناء ذلك، وقع من المكتبة ألبوم صور الطفولة، و وجدت صورًا عديدة حتى أنني لم أعد أتذكر بعضًا منها. جلست القرفصاء، و ذهبت في رحلة مع الذكريات. تذكرت عندما كنا نذهب في العيد لرؤية جدتي، كم كانت تلح كلما تراني أن تضفر لي شعري، و من ثمَّ تضمني إلى حضنها و تمسك يدي بكفها الصغير المرتعش المليء بالحنان؛ لتقبلها. كم افتقد رائحتها، لا شئ يشبه تلك الرائحة، فهي ليست بعطر له مثيل.

 

كم أذكرك عندما أشم رائحة المخبوزات، خاصة (الفايش و الكعك)، فهي كانت تصر دائمًا أن تخبز لنا بنفسها كل عيد، بت لا أحب أكل تلك المخبوزات من بعدها. كنت أفتقدها و لكنني وجدت أني بالكاد أمتلك لها صورة أو اثنتين. لا أمتلك سوى صورًا ملونة في عقلي، أسترسلها من حين لآخر؛ لأشعر بدفئ تلك المشاعر. لم أكن أعلم أني أحبكِ لتلك الدرجة يا جدتي! كم كنتِ مرحة و جميلة، كم أشتاق لحضنك! يا ليتني لم أضجر عندما كنتِ تجلسين بجانبي و تحصنيني بالأدعية. يا ليتني سمحت لكِ أن تضفري لي شعري و تضميني أكثر حتى أشبع منكِ و من رائحتك. ابتلَّت صورتك الوحيدة التي أمتلكها لك -من دموعي-، و لكن لا تقلقي، سأهتم بها كما اهتممت بي دائمًا.

 

كم هي سعيدة تلك الذكريات، حتى و إن كانت مؤلمة. هذا الشعور الغريب الذي يسكن روحي عندما أجد لي ورقة، مدونة أو حتى رسمة قديمة. أشتاق لتلك النسخة الطفولية البريئة مني، و أضحك على سذاجتي. كم أضحك عندما أتذكر أنني كنت أقلد أبي في كل شيء حتى في شربه للشاي، و أنا في السادسة من عمري. فكان يضع لي نقطةً من الشاي و يكمل الكوب باللبن، مقنعًا إياي أنه صنع خصيصًا لي في الهند، و الكتب التي كان يجلبها حين يسافر ليضعها في المكتبة و يتفاجئ بي أنني أحاول قرائتها، و رنات ضحكة على تلفظي الخاطئ للكلمات.

 

أذكر محاولاته المريرة معي في تعلم السباحة حتى استسلم، و جلس معي على الشاطئ، لنبني العديد من القصور الرملية، حتى احترق جلدنا من الشمس معًا. و تذكرت ضحكنا عندما خبأنا أحذيتنا في الرمل، و لم نتذكر مكانهم، وذهبنا جميعًا إلى الفندق ونحن حفاة الأقدام. أتذكر أمي و هي تروي لي الحواديت الغير مسلية بالمرة، فهي ليست براوية جيدة، و تنام حتى قبل أن تكملها من التعب، كم أثرتني تلك الأيام من مشاعر. تلك الأيام حتى و إن هدمهم الموج و السنين مع قصورنا الرملية، فحنيني لتلك الأيام كفيل بأن يذكرني بهم.

 

ما أجمل الحنين للماضي و تذكُّر كل ما يتعلق به. لذا دائمًا ما أدون ذكرياتي، لأن كلما نكبر تزداد مشاكلنا و تثقل مخاوفنا و نحتاج ما يلملم جروحنا و يذكرنا بأجمل ما فينا ليبعث بنا الأمل من جديد. لتجد كلما فتحت كتاب ذكرياتك أن المشكلة التي مرَّت عليك بالماضي انتهت، و الجرح الذي ظننت أنه سيدمرك تداوي، و الحب الأفلاطوني الذي ظننته أبديًا لم تعد تذكره، و الحلم الذي حلمته و خيل لك أنه مستحيل كبر وتحقق، لكي تسعد بنفسك و ترجع لذلك الطفل البريء الطاهر بداخلك و ترمي له كل ما بك من هموم. فكانت تلك أخر كلمات كتبتها اليوم في مذكراتي، و أعدت الألبوم مكانه بعد أن اشتميت رائحة ورقه القديم لأشبع من تلك الأيام و تسكنني، حتى أعود لها ثانية. فمن ثمَّ أغلقت الشرفة و المذياع و لن يتبقى لي من ذلك اليوم سوى عبق ذكرياته على الورق.