جني الديوان الجزء الحادي عشر | جندي وحيد

فقط ابتسمت و اسرعت من مشيتها قليلا لتصل باكراً للملعب. وضعت حقيبتها بجانب أحد المقاعد الخشبية حيث جلستُ أنا و وَقفتْ قرب منتصف الملعب تستعد...



تحرير: ندى كوتة وريم عبد القادر.


فبراير ٢٠١٦

طوال أربعين يوم تحاشت التحدث معي و لم أحاول فتح الموضوع معها. كنت ارافقها و كانت تعلم. بخلاف السلام و الاستئذان كان صمتنا هو سيد الموقف. لم أحاول اختراق عقلها مرة أخرى لما رأيتها تستعيد شهيتها و نومها شيئاً فشيء.إلا أنها قد أصبحت أكثر حدة و انطواءً على نفسها و قد كانت فيما سبقتكره أن تجلس وحدها أكثر من بضع دقائق.  أصبحت تتردد على الصالة الرياضية، الملعب، و عربات المترو حيث تتأمل انعكاسها و تغرق في أفكارها…

– هتيجي معايا الجامعة؟

– اه

ركبنا الحافلة و جلست بجانبها. ارتدت سماعات هاتفها و نامت. ارجعت رأسي و استمعت إلى الأغنية…

 

في عمق المحيط، ميت و منفي

حيث تحترق البراءة في النيران

مليون ميل من الوطن، أنا أمشي بعيدا

عظامي متجمدة،

أنا …

جندي وحيد، لا أعرف الطريق

أتسلق مرتفعات العار

أنا في انتظار النداء، و يدي على صدري

أنا مستعد للقتال و لمصيري 

 

لم يرد علي جدي حتى هذة اللحظة… هل قرر أن ينسى حفيده كما نسي ابنه؟ هل انقطع عن جوابي خوفاً علي؟ خوفاً مني؟ هل انشغل عني؟ فالحرب تتضخم و يزيد لهيبها يوماً بعد يوم… وصلنا إلى الجامعة و استيقظت في لحظتها. تخطينا الأمن و سرت بجانبها… كانت لا تزال تسمع ذات الأغنية.

 

– هتعملي ايه النهارده؟

– …

– …

– هروح التمرين…

– ايه ده هترجعي الباليه؟!

– رماية.

– ده امتى؟ و فين؟

– دلوقتي… في الملعب.

– و ايه اللي خلاكي تفكري في الرماية؟

فقط ابتسمت و اسرعت من مشيتها قليلا لتصل باكراً للملعب. وضعت حقيبتها بجانب أحد المقاعد الخشبية حيث جلستُ أنا و وَقفتْ قرب منتصف الملعب تستعد. ظهر المدرب بعد بضعة دقائق. تحدثا قليلا حتى وصل بقية اللاعبين و بدأ الاستعداد. كانت ملامحها هادئة و ثابتة رغم ارتعاش ذراعيها الضعيفتين و هي تمطط شرائطها أو “استيك” التسخين. تبع ذلك تجهيز و تجربة الأقواس. أمسكت قوصا فضي و جربته. ثم تناولت إحدى الأسهم لتطلقه. لم تصدق كلام المدرب في إطلاق السهم تحت الهدف. و كعادتها  عاندت، أطلقته نحو الهدف فطار بعيداً فوق لوحة التمرين. لم تنظر للمدرب و التقطت سهم آخر و أصغت للمدرب هذة المرة فأصابت قرب منتصف الهدف. استمرت على هذا الوضع و لاحظت أنها تُتمتم بشئ. تشففت حتى لا تراني و وقفت بجانبها أراقبها. بدت لي كأنها لا تفكر و هي تسدد أهدافها ثم استوعبت أنها تحاور نفسها. ربما بالعتاب… بالغضب… بالإشفاق… بالسخرية.

– عاش يا ميار! متأكدة إنك ملعبتيش رماية قبل كده؟

– لا يا كابتن دي أول مرة.

 

أنتهى التمرين و رحل الجميع. جلسنا نحن الاثنين على العشب. كانت تمرر يدها فوقه و صوت نباح كلاب الحراسة يشق صمت الملعب.

– مش هتحكي لي بتفكري في ايه؟

– ولا حاجة.

– الرماية من ولا حاجة؟

– مجرد تضييع وقت.

– بس ميار اللي اعرفها مبتضيعش وقت.

– اللي “كنت” تعرفها. أنا اتغيرت  يا جني و أنت عارف ده كويس. أقدر ارجع للباليه لكن أنا مش عايزة… الحاجات اللي كنت بعملها زمان معدش ليها مكان عندي…

– طب و الشِعر؟

– …

– ضغطت عليكي. أسف…

– جني… مفيش حاجة تجبرك أو تجبر أي حد أنه يستحملني في حالتي دي. كل اللي بعمله إني بشغل نفسي عشان مديش لنفسي فرصة افتكر أي حاجة من اللي حصلت…

 

سكتت قليلا قبل أن اسألها…

–  تفتكري كيمياء المخ هي اللي بتتحكم في تصرفات الناس؟

 

فكرت ملياً قبل أن تجيب…

– أكيد

– يبقى إذاي بنلومهم على أفعالهم؟

– لأن الناس عندها “إرادة حرة”. دي الحاجة اللي بتفرقنا عن الحيوانات و بقية خلق ربنا.

– “الإرادة الحرة” مش جزء من المخ؟

– لا هي جزء من المخ بس… هي الجزء اللي يعتبر نوعاً ما حُر. 

– يعني أنتِ بتقولي إن جزء “الإرادة الحرة” يُستثنى من قوانين الفيزياء الطبيعية؟

– واضح كده… و إلا مش هنقدر  نلوم الناس على أي حاجة بيعملوها

– طيب تفتكري “الإرادةــ

– جني! 

– ما هو من ساعة اللي حصل معاكي و أنت كلامك كله “غصب عني” أو إنك كنت مجبرة تعملي كذا و كذا… و التحول ده أنا مش قابله… مش مستحمله. كونك تبطلي باليه أو شِعر ده قرارك أنت و مش هتدخل فيه و متسمحيش لحد إنه يتدخل فيه. و زي ما مفيش حاجة تجبرني أستحملك زي ما أنت قلتِفي حالتك دي، فأنتِ كمان مفيش حاجة تجبرك إنك تبقي في الحالة دي أصلاً…

التفتت إلى و تأملتني و كأنها تنتظر المزيد…

– و أهم حاجة… هي إنك مش جندي وحيد في المعركة دي. معاكي ناس زي أهلك و صحابك –و جنيدايماً هتلاقيهم جنبك. 

يُتبع…